شرّع سقوط النظام السوري الباب أمام طرح مشاريع حلول عدّة لشكل الدولة الأنسب لسوريا والنظام السياسي الأفضل لإدارة البلاد. لقد أمعن نظام الأسد على مدى عقود بإحكام "قبضته البعثية" على كلّ أنحاء "بلاد الشام"، ففرض سطوته بـ "النار والدماء" وجسّد نموذجاً مركزياً وحشياً، مشبّعاً بديكتاتورية كاملة الدسم. هذا التاريخ الحافل والمثقل بالمآسي والمجازر وجرائم الحرب وجرائم ضدّ الإنسانية، يُحتّم على القيّمين على مستقبل سوريا إيجاد حلّ عادل وشامل يُعالج جذور معضلة "الشعوب" السورية، بدلاً من الهروب إلى الأمام بشعارات "الوحدة" الزائفة التي تستخدم لـ "اغتيال" التعددية وقمع المعارضين.
اعتبر القائد العام للإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) خلال لقاء مع ممثلي وسائل إعلام دولية هذا الأسبوع أنه من المبكر الحديث عن شكل الدولة في سوريا قبل صياغة الدستور، بالتزامن مع تأكيد القائد العسكري لـ "هيئة تحرير الشام" مرهف أبو قصرة، المعروف بـ "أبو حسن الحموي"، خلال مقابلة مع وكالة "فرانس برس" من أحد الفنادق الفخمة في مدينة اللاذقية، أن مناطق سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" ستُضمّ إلى الإدارة الجديدة، جازماً أن "سوريا لن تتجزأ ولن توجد فيها فدراليات"!
تعليقاً على هذين التصريحين، يؤكد خبراء في الشأن السوري أن نجاح الجولاني بقيادة هجوم عسكري أطاح الأسد وشبيحته يعتبر "إنجازاً تاريخياً" أفرح جميع المعارضين على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم، وسمح للبلاد بفتح صفحة جديدة، لكنهم ينصحون الإدارة السورية الجديدة بحسن استثمار "انتصار الثورة" لكتابة فصول مشرّفة تداوي جراح الماضي الأليم. ويشدّدون على أن أكثر توقيت مثالي للبحث في شكل الدولة وصياغة دستورها على هذا الأساس، هو "الآن".
صحيح أن المرحلة الانتقالية بحاجة إلى مقاربة القضايا الشائكة بتأنٍ، بيد أن المطلوب اليوم طرح المشكلات الجوهرية بكلّ جوانبها ومعالجة "حقائقها الصارخة" حول "طاولة مستديرة"، من دون أي عقدة أو تقية أو خوف. ويرى الخبراء أن المواقف الصادرة عن الإدارة الجديدة والتطمينات المتعلّقة بالأقليات "لا بأس بها"، إلّا أنها غير كافية إطلاقاً، معتبرين أن قضية التعددية المجتمعية الطوائفية، الإثنية والدينية واللغوية، ليست مسألة هامشية بل ضاربة في أعماق التاريخ.
استغلّ النظام الجائر هذه القضية الحساسة بالذات، بطريقة ملتوية، لتدعيم ركائز حكمه المستبدّ سابقاً. لذلك، إذا أرادت الإدارة الجديدة وضع مداميك لبناء "سوريا ديمقراطية وحضارية" والسير بها نحو مستقبل واعد، عليها التعلّم من تجارب النظام البائد وخطاياه القاتلة، والتحرّر من الأفكار المُعلّبة والسرديات البالية. ويرى الخبراء أن حرّية ورفاهية الأجيال السورية القادمة مرتبطة بشكل وثيق بما يُتخذ من "خطوات مصيرية" في هذه المرحلة المفصلية، محذرين من وضع أي "خطوط حمر" مسبقة حول طروحات متصلة بشكل الدولة ونوع النظام السياسي.
يُعبّر معارضون سوريون عن مخاوفهم من استئثار فئة معيّنة بالحكم تحت عناوين وحدوية مؤدلجة وفضفاضة، ما يُعيد فرز ديكتاتورية جديدة بـ "حلّة" مختلفة هذه المرّة. ويتمسّكون بأن أي حلّ يجب أن يكون نتاج توافق سوري - سوري، يُراعي هواجس الأقليات ويحفظ خصوصيّاتها ويؤمّن "مصالحها الوجودية"، فضلاً عن "المصالح المشروعة" للأكثرية، وتالياً يأخذ كلّ ذي صاحب حق حقه، من دون زيادة أو نقصان. ولا يُمكن هنا اغفال اعتبارات "الأمن القومي" لدول جوار سوريا، لكي يُكتب لأي حل مطروح النجاح.
يرفض الخبراء ومعهم معارضون للنظام المائِت منذ ما قبل 15 آذار 2011، شيطنة الفدرالية ووصمها بـ "التقسيم"، موضحين أن الفدرالية على نقيض التقسيم وتعني الاتحادية، بينما فرض "المركزية" على مجتمع فسيفسائي مركّب ذي تجمّعات جغرافية متمايزة ومتداخلة في آن، سيؤدي حكماً إلى "تمزيق" البلاد، تماماً كما حصل في الحرب الأهلية على مدى أكثر من 13 عاماً.
ويتساءل الخبراء عمّا إذا كانت دول فدرالية كسويسرا والنمسا وألمانيا وكندا والإمارات وغيرها، بلدان مقسّمة؟ والجواب هو طبعاً لا، بل إنها دول أبعد ما تكون عن خطر التقسيم، حيث أنها تحفظ حقوق كافة مكوّناتها المُتمايزة التي تصبّ "طاقاتها" لمصلحة الوحدات المحلّية والاتحاد الفدرالي على السواء. لا شك أن أمام دمشق مسار متعرّج وطويل، إلّا أن ما يهمّ هو وضع البلاد على "السكة الصحيحة" الكفيلة بانتشال سوريا من جحيمها.
يحسم الخبراء أن أي "حلّ مفروض" لا يتوافق عليه بشكل أساسي، السنة (الليبراليون منهم والإسلاميّون) والعلويون والمسيحيون والكرد والدروز، سيغدو "حقنة مورفين" موَقتة تمهّد لأوجاع أكثر إيلاماً لـ "الجسد السوري" المقطّع الأوصال، مشيرين إلى أنه باستطاعة الفدرالية بالتوازي مع محاسبة مرتكبي جرائم النظام الهالِك لتحقيق العدالة، "تنفيس" الاحتقان الداخلي وتوزيع الثروات بإنصاف، إضافة إلى إمكانية تشكيلها "مظلّة واسعة" يَقدر الجميع "التفاعل إيجاباً" تحتها لبناء غد مشرق بعيد كلّ البُعد عمّا سبقه من ظلم وطغيان.