تتوالى موجات القصف الإسرائيلي فصولاً على وكلاء إيران وأذرعها في المنطقة، وتحديداً على المتمردين الحوثيين هذه المرة في اليمن. فإسرائيل التي تقاتل على جبهات متعددة في آن، ضاقت ذرعاً بصواريخ "أنصار الله" ومسيّراتهم "الموجِعة" التي تصول وتجول بين الفينة والأخرى في أجوائها وصولاً إلى "شريانها الاقتصادي" تل أبيب، موقعةً إصابات بشرية حيناً، ومخلفةً أضراراً مادية مباشرة واقتصادية غير مباشرة أحياناً أخرى، فضلاً عن الطوق البحري الذي تفرضه الصواريخ الحوثية على السفن المتجهة صوب موانئ الدولة العبرية. وبحسب إحصاء غير رسمي، كشفت النقاب عنه وسائل إعلام إسرائيلية، أطلق الحوثيون أكثر من 200 صاروخ ونحو 170 مسيّرة على إسرائيل منذ بداية الحرب على غزة.
والاستهداف الإسرائيلي الدامي قبل أيام لميناءين يخضعان لسيطرة المتمردين الحوثيين في اليمن وبنىً تحتية للطاقة، لم يكن الأوّل من نوعه. ففي 20 تموز المنصرم، تفاخر رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برؤية ألسنة النار تتصاعد في سماء الشرق الأوسط من ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين الذي استهدفته مقاتلات إسرائيلية، في أعقاب تبنّي جماعة الحوثي هجوماً بمسيّرة مفخخة أوقعت قتيلاً في تل أبيب، وهو كان الهجوم الإسرائيلي الأوّل، المعلن على الأقل، في حينه على اليمن.
ضرب البيئة الحاضنة
مما لا شك فيه أن تل أبيب تمضي في سياسة ضرب البيئة الحاضنة للجماعات التي تكنّ لها العداء، كما حصل في لبنان وغزة، فـ "العقل الإسرائيلي" يحرص على تأليب الرأي العام داخل الدول ضد هذه الجماعات. وفي الضربة الأخيرة على اليمن، أغرق القصف الإسرائيلي العنيف صنعاء في ظلام دامس بعد تعمّده استهداف بنىً للطاقة، وهو ما زاد في "طينة اليمنيين بلّةً"، إذ إنهم يتكبّدون أصلاً دفع أغلى "فاتورة كهربائية حوثية" مقارنة بدول العالم، بسبب احتكار الجماعة توزيع الكهرباء في العديد من مدن "اليمن السعيد" الذي بات حزيناً يتأرجح بين مطرقة إسرائيل وسندان الحوثيين.
تهديد جدي لإسرائيل
في قراءة عسكرية "للمنازلة المحتدمة" بين جيش إسرائيلي يدّعي أنه لا يُقهر، وجماعة الحوثي التي تدين بالولاء المطلق لإيران، يؤكد الخبير العسكري العميد المتقاعد ناجي ملاعب لـ "نداء الوطن" أن اليمن يُشكّل تهديداً جدياً لإسرائيل، خصوصاً بالمسيّرات التي لم تستطع الدفاعات الجوية الإسرائيلية المتنوعة التعامل معها، علماً أن بإمكان الجيش الإسرائيلي، بحسب الخبير العسكري، حلّ معضلة هذه المسيّرات بمؤازرة قوة "الناتو" المنتشرة في المنطقة. ويضيف أن ما يؤلم إسرائيل أيضاً هو إغلاق ميناء إيلات ومنع السفن من الوصول إليه.
فضلاً عن ذلك، يرى ملاعب أن تل أبيب تعمّدت بقصف اليمن توجيه رسالة إلى إيران، مفادها أن أي تدخل من جانبها باستخدام صواريخ "فرط صوتية" ضد إسرائيل، سيستدعي رداً كبيراً إلى حدٍ لن تستطيع إيران تحمله، خصوصاً في ظلّ استقدام الولايات المتحدة قاذفات "بي 52" العملاقة إلى قواعدها في قطر والخليج، وهي على أهبّة الاستعداد للتدخل في حال "تفلّت الأمور من عقالها". ويختم ملاعب بالقول إن اليمن ليس كالعراق وسوريا، فهو يمتلك أوراقاً يُمكن أن يضغط فيها على إسرائيل، وهو بذلك قد يكون الهدف التالي لحرب إسرائيلية وليس إيران.
ردّ لائق؟
في غضون ذلك، وصف بعض الإعلام العبري الضربة الإسرائيلية الأخيرة على اليمن بـ "الردّ اللائق"، لكنه اعتبر أنها ليست كافية لتغيير الواقع. فرئيس الاستخبارات العسكرية السابق تامير هايمن كتب في قناة N12 أن هناك أمرين غائبان كلياً عن طريقة العمل في المعركة ضدّ الحوثيين وهما، أوّلاً: ضرب المرسِل، أي إلحاق الضرر بإيران التي تموّل وتؤدي دور "الروح الحية" التي تقف وراء الصواريخ من اليمن، وثانياً، عدم تدمير القيادة والسيطرة وضرب القدرات العسكرية بصورة كبيرة، بما معناه لا توجد عملياً معركة واسعة ومستمرّة لإضعاف الحوثيين بصورة تفرض عليهم ضغوطاً متصاعدة، كما حدث مع بقية أعداء إسرائيل في الحرب الراهنة.