ترأس مــتـروبــولـيـت بـيــروت وتــوابـعـهـا للروم الأرثوذكس المـطـــران الــيــاس عـــودة خــدمــة قـــداس الـمـيـــلاد فــي كــاتــدرائــيــة الــقـــديـس جــاورجـيـــوس، بحضور جمع من المؤمنين. بــعــد قـــراءة الإنــجــيـــل الــمــقـــدس ألـــقـــى عــظــة، وقال في شقّها السياسي: "جــاءَ الــمَــســيــحُ فــي عَــتْــمَــةِ الــلَّــيــلِ، مَــوْلُــودًا مِــنْ فَــتــاةٍ بَــســيــطَــةٍ، عَــذراءَ نَــقِــيَّــةٍ، مَـوْضـوعـاً فــي مِــذوَدِ الــبَــهــائِــمِ، لِــيُــعَــلِّــمَــنــا أَنَّ «مَــنْ رَفَــعَ نَــفْــسَــهُ اتَّــضَـعَ، ومَــنْ وضَـعَ نَــفْــسَــهُ ارْتَــفَــعَ» (مــت 23: 12)، وأَنَّ «مَــنْ أَرادَ أَنْ يَــكـونَ فـيـكُـم عَــظـيـمـاً فَــلْــيَــكُــنْ لَــكُـم خـادِمًــا» (20: 26). تَــواضُــعٌ لا نَــجِــدُهُ عِــنــدَ مُــعْـــظَــمِ رُؤَســاءِ هَــذا الــعــالَــمِ وزُعَــمــائِــهِ الــمُــتَــعَـــطِّــشــيــنَ إلــى بَــسْــطِ سُــلْــطَــتِــهِــم بِــالــقُــوَّةِ والـظُــلْـمِ وإِهــراقِ الــدِّمــاءِ وزَهْـــقِ الأَرواح. تَــواضُـعٌ لا نَــجِــدُهُ عِـــنْــدَ الــمُــسْــتَــأثِــريــنَ بِــالــسُّــلْــطَــةِ ولا يَــتَــخَــلَّــوْنَ عَــنْـهــا مَــهْــمـا طــالَ الإسْــتِــئْــثــار. تَــواضُــعٌ لا نَــجِــدُهُ عِـــنْــدَ الــمُــعَـــطِّــلــيــنَ والــمُــعَـــرْقِــلــيــنَ والــمُــؤَجِّــلــيــنَ والَّــذيــنَ لا تَــهُــمُّــهُــم سِــوى مَــصــالِــحُــهِــم ومُــكْــتَــسَــبَــاتُــهــم، وعِــنْــدَ الـمُــنَــصِّـبــيــنَ أنْــفُــسَــهُــم حُــمــاةً لِــلْــشَــعْـــبِ ومُــخَــلِّــصــيــن، فـيـمـا هُـمْ يَــبْــنُــونَ أمْـجــادَهُــم عـلـى حِــســابِ هـذا الــشَــعْـــبِ الــمَــقْــمــوعِ حــيـنــاً، والــمَــظْــلــومِ أحْــيــانــاً، والــمُــسْــتَــغْـــيَــبِ فـي كُــلِّ الأحْــوال. نَــعْــجَــبُ لأَمْــرِ هـذا الــشَـعْـــبِ الـذي لا يُــحـاسِــبُ مُــمَــثِّــلــيــهِ رَغْــمَ الــمــآسـي الـتي عــاشَـهــا والآلامِ الــتي ذاقَـهــا والــخَـسـائــرِ الــتـي تَــكَــبَّــدَهـا، ولا يَــبْــتَــعِــدُ عَـــنِ الأَحْــزابِ الــتـي تَــتَــغَـــنَّـى بِــالـطــائــفَــةِ والــمَــذْهَــبِ فــيـمـا اللهُ بَــعــيــدٌ عَــنْ تَــصَــرُّفــاتِ زُعَــمــائِــهــا ومُــنــاصِــريــهِــم. الإِنْــســانُ الَّــذي يَــطْــلُــبُ اللهَ يَــرْذُلُ الــمَــدِيــحَ والإِكْــرامَ وصَــدارَةَ الــمَــجــالِــسِ، ويَــبْــتَــعِـــدُ عَـــنِ الــمُــهــاتَــراتِ والــمُــحــاصَــصــاتِ والــمــكــاسِــبِ، يُــحِــبُّ ويُــعــطــي ويُــضَـحّــي مُــتَــيَــقِّـــنًــا أَنَّ اللهَ أَمِــيــنٌ، يَــرَى مــا فــي الــخِــفْــيَــةِ ويُــنَــمِّــي ثَــمَــرَ الــزَّرْعِ، طَــبْــعًــا إِذا كــانَ الــزَّرْعُ مَــغــروسًــا فــي حَــقْــلِ الــرَّبِّ، ومَــسْــقِـــيًّــا مِــنْ عَــرَقِ الــجِــهــادِ فــي سَــبــيــلِ الــحَــقِّ والــعَــدْلِ والــصَــلاحِ والــخَــيْــرِ لِــلْــجَــمــيــع".
أضاف "رَجــاؤُنــا، فــي مِــيــلادِ الــمُــخَــلِّــص، أَنْ تُــزْهِــرَ الــمَــحَــبَّــةُ فــي نُــفــوسِ أَبْــنــاءِ هَــذِهِ الأَرْض، ويَــسْــكُــنَ الــسَــلامُ الــقُــلــوبَ لــكــي يَــعِــمَّ الــحَــقُّ والــعَـــدْلُ والـخَــيْـــرُ والإِخـاء. عَــلَّ هَــذا الــمـيـلاد، الَّــذي يَــأتــي فــي عــامٍ كــانَ حــافِــلًا بِــالأَحــزانِ والــمَــآســي، يُــعَــلِّــمُــنـا أَنَّ سِــيــادَةَ اللهِ تَــخْــتــلِــفُ عــن سِــيــادَةِ الــبَــشَــر. نُــصَــلّـي كَـي يَــهَــبَــنــا الــرَّبُّ رَئــيــسًــا، بَــعْــدَ طــولِ مَــخــاضٍ، مَــمْــلــوءًا بِــالــنِّــعْــمَــةِ الإِلَــهِــيَّــةِ، يَــكــونُ نَــجْــمًــا ســاطِــعًــا فــي غَــيــاهِــبِ هَــذا الــبَــلَــد، يَــنــتَــشِــلُــهُ مِــنْ كَــبْــوَتِــهِ، مُــنَــقِّـــيًــا مُــؤَسَّــســاتِــهِ مِــنْ كُــلِّ دَرَنِ الــفَــســادِ والإســتِــزْلامِ، عــامِــلاً عــلــى إرســاءِ مَــبْــدَأِ الــعَــدالــةِ والــمُــواطَــنَـةِ الــحَــقــيــقــيَّــة. رجــاؤنــا أنْ يــكــونَ لــنــا رئــيــسٌ تَــبْــدأُ مَـعَـهُ مَــســيــرةُ إنــقــاذِ هــذا الــبَــلَــدِ مِــنَ الــتَــراجُــعِ والــتَــحَــلُّــل".
تابع عودة "مُــتَــغَــيِّــراتٌ كَــثــيــرةٌ تَــحْــصَــلُ فــي الــمِــنــطَــقَــة، ولــبــنــانُ يَــقــفُ عــلـى عَــتَــبَــةِ حَــقَــبَــةٍ جَــديــدةٍ نــأمَــلُ أنْ يُــصـارَ خِـلالَـهــا إلــى إعــادَةِ بِــنــاءِ الــمُــؤسَّــســاتِ واســتِــعــادَةِ الـعــافِــيَــةِ الإقــتِــصــادِيَّـةِ والــمـالِــيَّــةِ. هــذا يَــســتَــلْــزِمُ ذِهْــنِــيّــةً جَــديــدةً ورؤيَــةً واضِـحَــةً تُــعــالِــجُ تَــرَهُّــلَ الــدَولــةِ وتَــفَــكُّــكَ إداراتِــهــا. نَـحــنُ بِـحـاجَـةٍ إلـى وَعْــي سِـيـاسِـيٍّ وقَــرارٍ حَــكــيــم. نَـحــنُ بِـحـاجَـةٍ إلـى إعـادَةِ بِـنـاءِ الـدولَـةِ بَـعـيـداً مِـنَ الـتَـسْـوِيـاتِ وتَـقـاسُـمِ الـمَـراكِــزِ والـمَـغـانِـم، وإلـى تَـطْــبــيــقِ الـدُسـتـورِ بـأمـانَـةٍ، وفَــصْــلِ الــسُــلُــطــاتِ مَـعَ تَـعــاوُنٍ وَثــيــقٍ فـيـمـا بــيــنَـهــا، فــلا تَــتَــداخَــلُ الــصَـلاحِــيّـاتُ ولا تَــطْــغــى سُــلْـطَــةٌ عــلى أخــرى فَــتُــضْـعِـــفُـهــا. إنَّ مـا سـاهَــمَ فـي انـهِــيـارِ مُــجــتَــمَـعِــنـا غِــيـابُ دَوْرِ الــقَــضـاءِ وانْـعِــدامُ الــمُـحـاسَــبَـة، فَـسـادَتِ الــفــوضى، وكَــثُــرَ الــظُــلْــمُ، وغــابَــتِ الـعَــدالَـة. لِــذا يَــجِــبُ إصْـلاحُ الــقَــضـاءِ وتَــحْــصـيــنُـه وإبْـعــادُه عَــنْ الــسِـيـاسَـةِ، أو بِـالـحَـري كَــفُّ يَــدِ الــسِـيـاسِـيـيـنَ عَــنْـهُ ومَــنْــعُ تَــدَخُّــلِـهِـم فـي عَــمَـلِـه، مِــنْ أجْــلِ إعــادَتِـهِ إلـى صَـفـائِـه ورِسـالَــتِــهِ، بَـعــيــداً مِــنَ الــمُـحــاصَــصَــةِ والــمَــصـالِــح. إنَّ الــقَــضـاءَ الـعــادِلَ الــفــاعِــلَ وَحْــدَه قــادِرٌ عـلـى الــمُـحـاسَــبَــةِ والـمُـعــاقَــبَـةِ ورَفْـعِ الــظُــلْــمِ ومُـحـارَبَــةِ الــقَــمْـعِ والــتَــسَـلُّـطِ والـفَـسـاد. الـجَــرائــمُ كُــلُّـهــا، الإغْــتِــيــالاتُ، والإنْــهِــيــارُ الــمـالِـيُّ، وهَــدْرُ وَدائـعِ الــلــبــنــانــيــيــنَ ومُــدَّخَــراتِــهــم، والــسَــرِقــاتُ، والــحُــروبُ، وتَــفْــجــيــرُ مَــرفــأِ بــيــروت مَعْ مــا خَــلَّــفَــه مِــنْ خَــسـائــرَ بَــشَــرِيَّــةٍ ودَمـار، كُــلُّـهــا بَــقِــيَــتْ بِــلا مَـحـاسَــبَــةٍ ولا عِــقــاب. إنْ لَــمْ تُــكــشَــفِ الــحَــقــيــقَــةُ لَــنْ تَــنْــدَمِــلَ الـجِــراحُ وَلَــنْ تُــشْــفــى الآلامِ. ومَـهْـمـا تَــأخَّــرَتِ الــعَــدالَــةُ لا بُــدَّ آتِــيَــة. أَمَــلُــنــا ألاّ يَــطــولَ الإنْــتِــظــارُ وأنْ يَــتَــرافَــقَ الــعَــهْــدُ الــجَــديــدُ مَـعَ كَــشْــفِ كُــلِّ الـحَـقـائِـقِ ومُـعـاقَــبَـةِ كُــلِّ الـمُـجْـرِمـيـن".
وأمَــل أيــضــاً "أنْ يَــتَّــعِـــظَ الــجَــمــيـعُ مِــنْ دروسِ الــمـاضـي والـحـاضِـر، وأنْ يَــنْــصَـرِفــوا إلـى الــقِــيـامِ بِــواجِــبـاتِـهِـم دونَ مُــراوَغَــةٍ أو تــأجــيــل، وأن يَــدَعُــوا الــجَــيْــشَ يَــقــومُ بِــواجِــبِـه دونَ تَــلَــكَّــؤٍ، ودونَ تَــشْــكــيــكٍ بِــقُــدْرَتِـهِ، أو اتِّــهــامِـهِ بِـشَـتّــى الإتِّــهــامـات. الــجَـيْـشُ دِرْعُ الــوَطَــنِ وحِـصْـنُـهُ، فَــلْــيُــعْـــطَ الــتَــوجـيـهَ الــلازِمَ ويُــتْــرَكْ لِــعَــمَــلِـهِ، ولَـهُ كــلُّ الــشُــكْــرِ والــتَــقــديــر".
وختم بالقول "نَــســأَلُ الــرَّبَّ أَنْ يَــحْــفَــظَــكُـم جَــمــيـعـاً ويُـعــيـدَ عَــلـيـكُـم هـذا الــعــيـدَ الــمُــبـارَكَ وقَـدْ تَـغَــيَّــرَتِ الــظُــروفُ وتَــحَــسَّــنَــتِ الأوضـاعُ، وسـادَ مَــنْـطِــقُ الـدَوْلَـةِ الـتـي يَـحْــتَــكِــمُ إلـيـهـا الـجَـمـيـعُ بـثِـقَـةٍ، وعـادَ الــمُـحْــتَــجَــزونَ والـمَـخْـطــوفــونَ والـمَـأسـورونَ إلـى ذَويـهِـم، وبَـيـنَـهـم أخَـوانـا الـمـطرانـان بـولـس ويـوحَـنـا. كـمـا نَـسْـألُـهُ أنْ يُــرْشِــدَ خُــطــانــا جَـمـيـعـًا إلــى سِــرِّ الــمَــغــارَة، حَــيْــثُ نُــلْــقِــي عَــنَّــا كُــلَّ فِــكْــرٍ مُــتَـعــالٍ وشَـهْــوَةٍ ضــارَّة، فَــيُــسَــرُّ الــمَـســيـحُ الـمُــتَـجَــسِّـدُ بِـتَــقْــدِمَــتِــنـا الَّـتي تَــفــوقُ هَــدايــا الــمَــجــوس، قُــلُــوبِــنــا الــمَــلــيــئَــةِ مَــحَــبَّــةً وتَــواضُـعًــا ورَجــاءً صــالِــحاً".