محمد الأمين

"سلاح مقدس بمفعول ثقافي"

3 دقائق للقراءة

إن منح الدور الثقافي في مؤسسات الدولة لمتحزبين ينطلقون من أيديولوجيات شمولية لا تتماشى مع طبيعة لبنان المتنوعة، هو الذي يؤدي إلى تدمير تدريجي لفكرة الانتماء للوطن. هذا التدمير لا يقتصر على تغيير الخطاب الثقافي فحسب، بل يمتد إلى تكوين العقول وتوجيهها نحو الانقسام بدلاً من الوحدة، مما يشكل خطراً عميقاً على بناء الدولة والمجتمع.



فعندما تُقدَّم الأفكار الحزبية على أنها أفكار وطنية، يُضَلَّل الجمهور اللبناني ومنهم الطلاب لتفقد الهوية اللبنانية قيمتها مع مرور الوقت، ويصبح النفوذ الحزبي والميليشيوي أكثر تغلغلاً في المؤسسات التعليمية والثقافية، مما يجعل الهوية اللبنانية تابعةً لأجندات حزبية ضيقة، ومجردة من أي انتماء وطني حقيقي. هذا التوجه لا يهدد فقط الحاضر، بل يضع الأسس لانهيار فكري شامل يمتد تأثيره على الأجيال المقبلة.



إن استرجاع الثقافة اللبنانية إلى دورها الوطني مسؤولية يجب أن تضطلع بها الدولة، لأنها من المحطات الأساسية للانطلاق نحو لبنان المعافى من الأفكار المقدسة وشريعة الأحزاب والجماعات التي لا ترى في لبنان وطناً جامعاً، بل منصة لتحقيق مصالحها الخاصة. ولتحقيق هذا الهدف، لا بد من تحرير المؤسسات الثقافية والتعليمية من قبضة الحزبية، وفصل وزارة الثقافة والجامعات ومراكز الحوار التي تحاور نفسها فقط لعدم قبولها بالتنوع والاختلاف عن أي تبعية سياسية. ويجب أن تُعاد صياغة معايير اختيار القيادات الثقافية لتكون مستقلة وقادرة على فهم الخصائص الفريدة للوطن، بحيث لا يُسمح لأي جهة بفرض فكر متطرف أو حزبي على المجتمع.



وإصلاح المناهج الدراسية يشكل أيضاً خطوة حاسمة في هذا الاتجاه، إذ يجب تنقيحها من أي محتوى يروج لأيديولوجيات حزبية أو يخدم أجندات ضيقة. هذا العمل يجب أن يُوكل إلى لجنة مستقلة بعيدة عن هيمنة الأحزاب أو الحركات السياسية التي غالباً ما تفرض وجهة نظرها لخدمة مصالحها، فعندما يُترك العقل ليخضع لهذه الأيديولوجيات، يصبح أداة لتعزيز الخضوع لمنطق القوة على حساب منطق الدولة والقانون.



الأخطر من ذلك أن هذا التدمير الثقافي لا يقتصر على الفكر والعقل، بل يمتد ليصبح مبرراً وغطاءً لشرعنة وجود السلاح خارج إطار الدولة. يُروَّج لهذا السلاح تحت شعارات “المقاومة”، مما يعمق الانقسام ويقوض سيادة الدولة، فيتحول السلاح غير الشرعي إلى جزء من المنظومة الثقافية المُختزلة في أجندات حزبية.



إنها من الأزمات الخطيرة التي ساهمت في وصول لبنان إلى هذا الحد من الانقسام والتشتت وتغير وجهته الثقافية إذا لم تُحرر الثقافة من قبضة الحزبية، وهذا الخطر لن يتوقف بالمسايرة وتوزيع المقاعد والمناصب على من يقدم جماعته على لبنان ومشروعه الخاص على الوطن.