أحمد عياش

في منتهى الجدّ

حرية لبنان وسوريا على الأقدام من باب توما إلى الجامع الأموي

8 دقائق للقراءة

دمشق - "نداء الوطن"

أصبحت زيارة سوريا من الآن فصاعداً، كمن يحجّ إلى "الديار المقدسة". وأتيحت الفرصة لـ "نداء الوطن" أن تحظى بفرصة "الحج" هذه،  بمواكبتها الزيارة الشعبية التي قام بها لقاء "سيدة الجبل" بمباركة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي أول من أمس الجمعة.



وبدأ "الحج" بكاتدرائية مار أنطونيوس المارونية التاريخية في باب توما، المنطقة العريقة في دمشق. وانتهى بالجامع الأموي الضارب في التاريخ.

وتميّز هذا "الحج" وللمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، بأنه الأول من نوعه إلى سوريا الحرة بعد سقوط نظام الأسد.



بدا المطران سمير نصار رئيس أساقفة مطرانية دمشق، خلال استقبال الوفد اللبناني، مبتهجاً لأمرين عبّر عنهما بوضوح: مجيء الوفد اللبناني، وتغيير الأوضاع في سوريا.



وحثّ بالنسبة للأمر الأول أن يبدأ "الحج" اللبناني إلى هذا الصرح الكنسي في العاصمة السورية، والذي هو الأقدم من نوعه في المنطقة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر.



أما بالنسبة للأمر الثاني، فبادر المطران نصار إلى تبيان أهمية الحدث الثوري الذي نقل لبنان وسوريا معاً إلى مرحلة الحرية بعد مرحلة التعسف.



وقال: "إننا في مرحلة انتقالية وسوريا تولد من جديد من رحم العذاب والألم، ونتطلّع إلى أن ترى السلام والمحبة والألفة بين أبنائها بصورة طبيعية جداً".



وأشار بطريقة ذات دلالة تاريخية ومعاصرة معاً، إلى أن بناء الكنيسة الدمشقية العريقة، أتى بعد أحداث عام 1860 الطائفية التي دمرت الكنيسة، والتي أعادت السلطنة العثمانية تشييدها بطريقة معمارية أخّاذة ما زالت ظاهرة حتى اليوم.



أتى تكوين وفد "سيدة الجبل" على مثال لبنان العابر للطوائف. فحمل رئيس اللقاء النائب السابق فارس سعيد رسالة تلاها في دمشق، تضمّنت الملف الأبرز في مسيرة الألم التي عاناها لبنان مع النظام الجائر ما أدّى إلى سجل حافل بالقتل والاغتيالات والاعتقال.


وقال: "نريد معرفة مصير أولادنا والعودة بعظامهم إلى لبنان".



أما النائب السابق أحمد فتفت فقال في دمشق: "قبل أن ننطلق، قرأت الفاتحة على ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري (في وسط بيروت) كرمز لكل الشهداء الذين قضوا تحت عنوان سيادة لبنان".



لفتت الانتباه من بداية الرحلة الدمشقية، الحيوية في باب توما التي ارتدت بوابتها الأثرية علم سوريا الجديد. وازدحمت شوارعها التي حافظت على طابعها القديم الذي يمتد على معظم حقبات التاريخ.



وبدت هذه الشوارع التي يعيد بعضها إلى الأذهان أزقة "باب الحارة" في المسلسل التلفزيوني المعروف. ويفسر المطران هذه الحيوية بأنها ترتبط بالعشرة الأواخر من العام الذي يستعد للرحيل.



وأشار إلى مصادفة وصفها بـ "المهمة" عندما قال إن البابا فرنسيس "قدّس 3 شهداء في 20 تشرين الأول من الرعية الدمشقية". وهؤلاء القديسون هم المسابكيون الذين قضوا نحبهم في أحداث عام 1860 الطائفية في سوريا ولبنان.



وأوّلهم فرنسيس تاجر الحرير والذي أصبح "شفيع رجال الاعمال".



والثاني، عبد المعطي المدرّس، وأصبح "شفيع المعلمين".



والثالث، رفائيل الذي زاول خدمة الكنيسة والهيكل، وأصبح "شفيع خدمة المذبح".


ومن باب توما إلى رحاب الجامع الأموي. وكان الخيار السير على الأقدام في الأزقة التي تمتد متعرّجة بين المكانين.


كان ممتعاً أن يختلط المرء بسيل بشري كان يتدفّق في الأسواق القديمة التي انتشرت فيها المتاجر على جانبيّ الأزقة.


وكانت المعروضات كل شيء تقريباً من الغذاء إلى السلع. وقلت لأحد رفاق الرحلة ممازحاً إنه "لو الدليل الذي رافق الوفد من الكاتدرائية إلى الجامع، وهو المونسنيور ميشال فريفر، لكنا ما زلنا في متاهة الأزقة المتشعبة حتى اليوم"!


من يعرف الجامع من قبل، فهو لا يزال كما هو بمعالمه التاريخية. فعلى مقربة من مدخله الرئيسي أطلّ مزار صلاح الدين الأيوبي. واتّجه الوفد إلى داخل الجامع حيث كان في استقباله مدير الجامع الأموي عصام سكر ومؤذن الجامع أبو أنس البقاعي.



وقاد سكر الوفد في رحلة التاريخ في رحاب الجامع الذي تحوّل عبر العصور من معبد وثني إلى كنيسة، لينتهي جامعاً منذ زمن الدولة الأموية منذ أكثر من 1200 عام ولا يزال حتى اليوم.



ومن المحطات البارزة في رحلة التاريخ هذه، مزار القديس يوحنا المعمدان أو بحسب تسمية مدير الجامع مزار النبيّين يحيي ابن زكريا.



ومن المحطات أيضاً مزار، يشير إلى رأس الإمام الحسين الذي سقط في كربلاء في عهد يزيد بن معاوية، والذي قد مرّ بالمكان قبل أن يُنقل إلى مكان آخر، تتعدد الروايات حوله.



ارتجلت في رحاب الجامع التاريخي كلمات لسعيد وفتفت وفريفر الذي مثّلت كلمته، وهو الآتي من كفرحَي البترون، مسقط رأس البطريرك الحويك، حيث أوّل مركز بطريركي في لبنان قبل يانوح، مباركة من الكنيسة المارونية للتحوّل الجاري في سوريا وسط العيش المشترك بين الإسلام والمسيحية.



عندما كان مدير "الأموي" يدلي بمعطيات التاريخ انبرى شاب لمقاطعته. لكن الأوّل لم يعره اهتماماً.

ولدى الوصول إلى موقع يوحنا المعمدان، لجأ هذا الشاب إلى تسلّق واجهته، وعلّق عليها علماً باللون الأبيض، علم أحد فصائل الثورة، وكتب عليه بالأسود: "لا إله إلا الله محمد رسول الله".



وسارع أحد موظفي الجامع كي ينزل العلم. وبدت هذه الواقعة نموذجاً  عن أحوال سوريا الجديدة.

فما قام به هذا الشاب يشير إلى أنه ينتمي إلى تنظيم إسلامي له قراءته التاريخية الخاصة.



وشاهدنا في الوقت نفسه، بعض العناصر الذين يرتدون البزّات العسكرية، ولكن لا يحملون الأسلحة، وهم يجاهرون بالاحتجاج على انتعال بعض أعضاء الوفد، وأيضاً مدير الجامع، ما يقي أقدامهم، معتبرين أن ذلك "ما يدنّس" أرض الجامع.



سألت "نداء الوطن" مؤذّن الجامع البقاعي عن هذه الحادثة، فأجاب: "هذه التصرّفات مألوفة من جانب هذه الجهات لكنّها مرفوضة من جانب وزارة الأوقاف التي تدير الجامع. وتعتبر الوزارة أن ما وصل إلينا من التاريخ يبقى على ما هو".



وامتدّ الحوار ليصل إلى إعراب مؤذّن الجامع عن "فرحة لا توصف. فقد كنّا محرومين من الكلمة، لكنّنا صرنا اليوم ننعم بها".



وسئل المؤذّن عن عائلته "البقاعي"، فابتسم قائلاً: "طبعاً نحن من هناك"، في إشارة إلى البقاع اللبناني.



"سيلفي" مع مؤذّن الجامع الأموي في دمشق أبو أنس البقاعي



لا تكتمل الرحلة من دون إشباع الفضول حول ما آلت اليه أحوال دمشق منذ سقوط نظام الأسد.

وسألت "نداء الوطن" عدداً من موظفي كاتدرائية الموارنة، فأجابوا شرط عدم ذكر أسمائهم.



قالوا إن الأمور تغيّرت فجأة معيشياً. مثلاً، كان الحصول على ربطة الخبز، يتمّ في زمن النظام السابق، ببطاقة تموينية. لكن الآن صار الحصول على الخبز متاحاً من دون بطاقة، وبالقدر الذي يريده المرء.



ولفتوا إلى "رداءة" نوعية ما كان يتمّ استهلاكه من قمح. وأشاروا إلى أن أدوية عادت إلى الصيدليات بعدما كانت مفقودة.



وخلال تناول طعام الغذاء في مطعم دمشقي معروف، سألنا النادل: "لدينا عرق، هل تريدون أن تشربوا؟".



وانطوى هذا السؤال، على أن تصدّر "هيئة تحرير الشام" الإسلامية السلطة في سوريا، لم يغيّر حتى الآن أسلوب العيش الذي كان سائداً قبل سقوط النظام".



اشتريت في رحاب الجامع الأموي شالاً يمثّل علم سوريا الجديد.

ورافقني حول عنقي طوال الرحلة لغاية العودة إلى بيروت.



وبدوت وكأنّني الوحيد، على ما يبدو، في ارتداء مثل هذا الشال.

إذ إن انتشار العلم الجديد في أنحاء دمشق ما زال محدوداً.



حتى أن العلم القديم ما زال مطليّاً على أبواب متاجر عدة.


كان لا بد من انتظار العودة إلى بيروت لمعرفة أن إدارة العمليات العسكرية في سوريا ألقت الجمعة (يوم زيارة الوفد)، القبض على رياض حسن "المسؤول عن الأمن السياسي" في دمشق في نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.



يجدر القول، إن هناك تحت سطح الأحداث في سوريا تدور رحى حرب من أجل تثبيت الواقع الجديد في مواجهة فلول النظام القديم.



لكن فوق سطح الأحداث، تمضي الحياة وسط حركة صاخبة، تبدأ من المركز الحدودي الذي عبره الوفد في نقطة المصنع، وصولاً إلى دمشق التي كانت تضجّ بالحركة على الرغم من أن يوم الجمعة هو عطلة نهاية الأسبوع في سوريا.



ودخل أحد رجال الثورة الباص الذي كان يقلّ الوفد عند نقطة جديدة يابوس، فقط ليوجّه التحية لـ "أهل لبنان".

لا بد أيضاً من القول، إن ظاهرة التسوّل في أزقة دمشق القديمة كانت جليّة.



كما أن هناك الكثير من هياكل الأبنية التي كانت قيد التشييد قبل سقوط الأسد. وليس معروفاً ما إذا كانت ستمضي الأعمال فيها قدماً.



ولا يفوت زائر دمشق الذي لم يزرها منذ زمن طويل، كحال عدد كبير من أعضاء الوفد الذي واكبته "نداء الوطن"، أنها بدت مدينة مترامية الأطراف تخترقها شبكة واسعة من الطرق والجسور والأنفاق.



وفي الوقت نفسه، كانت ظاهرة مدن الصفيح جلية والتي تزنّر عاصمة كانت لنظام الأسد وأصبحت اليوم لسلطة جديدة.