تعاني بلدان عربية وإسلامية عدّة من "رهاب الأحمدية". لا يمرّ شهر إلا وتسمع بخبر توقيف مجموعة أحمديين أجانب أو محليين هناك أو هناك. حتى في لبنان، عندما تحرّك الأحمديون اللبنانيون قبل سنوات وتقدّموا بطلب ترخيص "الجمعية اللبنانية للمسلم الأحمدي" في منطقة الضنية، كان احتجاج من دار الفتوى بطرابلس التي استغربت موافقة وزارة الداخلية على ذلك قبل مراجعة المرجعية الدينية المختصة، ما ادى لاحقاً الى سحب الترخيص.
الأحمدية فرقة مهدوية انبثقت من الإسلام السني في الأساس وليس من حضن الإسلام الشيعي. توسّعت في لظاهرة المصلح "المجدّد" في الإسلام السنّي، فإذا بالمجدّد يتحوّل معها إلى "مثال لكريشنا"، و"مسيح جديد"، وملهم يكتشف المكان الحقيقي لقبر عيسى، وأنّ عيسى توفي بعد أن هاجر إلى كريشنا، وأنّه لم يرجع من السماء، ولن يرجع، وإنّما الأرضى حبلى بـ"أمثال الأنبياء".
ليس هناك فرقة دينية نالها ما نال الجماعة الأحمدية من فتاوى تكفير وإخراج من الملّة منذ نهايات القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا. مع ذلك، تعتبر هذه الجماعة اليوم من بين أسرع الفرق الدينية نموّاً في العالم، ويتزايد عددها وتنمو شبكات الملتزمين فيها والجمعيات الخيرية والاجتماعية المرتبطة بها بشكل حيوي، سواء في الشتات الإسلاميّ بالبلدان غير الإسلامية، حيث يمكنها أن تتمتع بحرية الحركة، أو في البلدان الإسلامية التي تحظر بأغلبها هذه الفرقة وتمنعها من إقامة شعائرها ومن امتلاك دور عبادة خاصة بها.
تنتشر مؤلّفات مؤسّس الأحمدية، "ميرزا غلام أحمد" على مواقع مختلفة ضمن شبكة الإنترنت، ولم يعد بالإمكان التضييق عليها أو سحبها من التداول كما في السابق. كذلك الدعاية المضادة للأحمديين، فهي تنتشر بشكل محموم، وخصوصاً على المواقع السلفية.
مؤسس الأحمدية
شخصية مؤسس الفرقة ميرزا غلام أحمد (1839-1908)، وكتاباته وتعاليمه، هي في أقل تقدير شخصية مثيرة للجدل، فهو قدّم نفسه على أنّه المصلح المجدّد والإمام المهدي والمسيح الموعود، وموحّد الأديان، ورابع الأربعة بعد كريشنا (إله هندوسي) وعيسى ومحمّد، وكل هذا من دون أن ينطلق من تربة دينية ثقافية شيعية، وإنّما في الأساس، سنّية. استعان ميرزا غلام أحمد بمقولة "الأفاتار" الشائعة في الهندوسية، وحيث يمكن لشخصية ربانية أن تكون منسوجة على مثال شخصية ربانية أخرى، ليطبقها على الإسلام، أو ليجرّب من خلالها توحيد الديانات الكبرى. اعتبر أن آية "لقد بعثنا في كل أمة رسولاً" تتسع للشخصية الإلهية الهندوسية كريشنا، مثلما تتسع للمسيح والنبي محمد وله. ذكر في كتابه "إزالة الأوهام" أن "المسيح الموعود هو مثيل لكريشنا"، وكلما ذكر كريشنا في كتاباته أعقبها بـ"عليه السلام".".
النمو المتسارع
هي أسرع فرقة دينية معاصرة من حيث التوسّع والنمو، رغم كل ما تستثيره من رفض وتكفير لها وأعمال عنفية ودموية ضد أتباعها. وبالرغم من تشديد أتباعها على انتمائهم للإسلام، بل للإسلام السني بالتحديد، تحظرها معظم البلدان الإسلامية، وليس لها مسجد علني إلا قرب حيفا، بما يعطي ورقة لإسرائيل لتلميع صورتها، وإظهارها كحامية للتنوّع الدينيّ. مع ذلك، يعمل الأحمديون على تكثيف أنشطتهم وتنويع جمعياتهم في البلدان العربية، ومنها لبنان، ويصطدمون بعوائق شتى. فمن هم الأحمديون، أولئك الذين "اكتشف" مؤسس فرقتهم أن عيسى المسيح عاش ومات ودفن في كشمير؟ ليست هنا فرقة دينية نالها ما نال الجماعة الأحمدية وخصوصاً الأحمدية القاديانية من فتاوى تكفير وإخراج من الملّة منذ نهايات القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا. مع ذلك، تعتبر هذه الجماعة اليوم من بين أسرع الفرق الدينية نموّاً في العالم، ويتزايد عددها وتنمو شبكات الملتزمين فيها والجمعيات الخيرية والاجتماعية المرتبطة بها بشكل حيوي، سواء في الشتات الإسلاميّ بالبلدان غير الإسلامية، حيث يمكنها أن تتمتع بحرية الحركة، أو في البلدان الإسلامية التي تحظر بأغلبها هذه الفرقة وتمنعها من إقامة شعائرها ومن امتلاك دور عبادة خاصة بها. تنتشر مؤلّفات مؤسّس الأحمدية، "ميرزا غلام أحمد" على مواقع مختلفة ضمن شبكة الإنترنت، ولم يعد بالإمكان التضييق عليها أو سحبها من التداول كما في السابق. كذلك الدعاية المضادة لـ"الأحمدية القاديانية"، فهي تنتشر بشكل محموم، وخصوصاً على المواقع السلفية، التي تعود فتنشر منشورات "رابطة العالم الإسلامي" السعودية ضدّ "القاديانية" بوصفها في طليعة الفرق الهدامة، التي أنبتها البريطانيون في شمال الهند. وتعطي هذه الدعاية المضادة الفرقة حيزاً أكبر من حجمها بكثير، الأمر الذي تعود فتستفيد منه للتوسّع في بلدان لم تكن قد نمت فيها بعد، وهي تتوسّع خصوصاً في البلدان التي تندثر فيها بعض التقاليد الصوفية التي كانت منتشرة حتى أمس قريب.
قبر عيسى المسيح في كشمير
أعتبر ميرزا غلام أحمد نفسه المهدي المنتظر والمسيح الموعود في آن واحد، وأنّ الأحاديث حول عودة المسيح من ناحية دمشق، مقصود فيها دمشق أخرى، وهي بلدة قاديان في البنجاب. لكن مؤسس الفرقة القاديانية لم يعتبر نفسه تجسيداً لعيسى ابن مريم، وناقض النظرة الغالبة عند المسلمين، المتعلّقة بأنّ عيسى لم يمت وإنما رفع إلى السماء، وأنّ عودته منتظرة. ظهور مسيح جديد هو المقصود بالانتظار، والمسيح الجديد هذا هو ميرزا غلام أحمد، كما قدّم نفسه للناس. أمّا المسيح عيسى، فمات ووري الثرى. لزم إذاً اكتشاف قبره. عند زيارته كشمير، توقف ميرزا غلام أحمد عند مقام "روزا بال" في عاصمتها سرينغار، وابتدع روايته التي أثّرت حتّى عند بعض الأوروبيين، وهي أنّ عيسى بن مريم نجا من حادثة الصلب، وليس لأن أحداً آخر صلب بدل عنه، بل لأنه شبّه للناس أنه فارق الحياة على الصليب في حين أنه فارق الوعي لساعات معدودات فحسب. بعد نجاته سيهرب عيسى إلى ما وراء الفرات، ويعبر بلاد الفرس باتجاه الهيملايا، ويستقر في كشمير، ويتقدّم به العمر هناك، ويموت كأي انسان آخر. تحوّل "روزا بال" إلى محجّة للأحمديين، ولا يزال منهم من يحرص على زيارته، مع أنّ الأوقاف السنية التي تشرف على المقام تعتبره ضريحاً للقطب الصوفي سيد ناصر الدين، في حين يرجّح بعض علماء الآثار أن يكون الموقع مقاماً بوذياً في الأساس، ثم "تأسلم" لاحقاً..
كيف قدّم مؤسس الأحمدية نفسه؟
شخصية مؤسس الفرقة ميرزا غلام أحمد، وكتاباته وتعاليمه، هي في أقل تقدير شخصية مثيرة للجدل، فهو قدّم نفسه على أنّه المصلح المجدّد والإمام المهدي والمسيح الموعود، وموحّد الأديان، ورابع الأربعة بعد كريشنا (أحد آلهة الحضارة الهندية الكبار) وعيسى ومحمّد، وكل هذا من دون أن ينطلق من تربة دينية ثقافية شيعية، وإنّما في الأساس، سنّية. استعان ميرزا غلام أحمد بمقولة "الأفاتار" الشائعة في الهندوسية، وحيث يمكن لشخصية ربانية أن تكون "مثيلة"، أي منسوجة على مثال شخصية ربانية أخرى، ليطبقها على الإسلام، أو ليجرّب من خلالها توحيد الديانات الكبرى. اعتبر أن آية "لقد بعثنا في كل أمة رسولاً" تتسع للشخصية الإلهية الهندوسية كريشنا، مثلما تتسع للمسيح والنبي محمد وله. ذكر في كتابه "إزالة الأوهام" أن "المسيح الموعود هو مثيل لكريشنا"، وكلما ذكر كريشنا في كتاباته أعقبها بـ"عليه السلام".
"الأنبياء يأتون إلى الدنيا دائماً"
اعتبر ميرزا غلام مستفزاً بتصريحات من نوع أنه "لا شك أن كلمات الوحي تكون على أعلى درجة من درجات الصدق، ولكن من سنّة الأنبياء أنهم يفصّلون أحياناً من عندهم شيئاً ما". أقر بـ"ختم النبوة" بعد محمّد، لكنه أعتبر أنّ "أمثال الأنبياء يأتون إلى الدنيا دائماً"، ففرّق بين عهد "الأنبياء" المنقضي، وعهد "أمثال الأنبياء" المفتوح، وشدّد على أنّه "سيأتي شخص يماثل المسيح ابن مريم طبيعة وكفاءة ومنصباً"، من دون أن يكون هذا الشخص هو المسيح عيسى نفسه. فميرزا غلام أحمد اعتبر نفسه "مثل الأنبياء" لأنه صاحب إلهام، و"مثل المسيح عيسى". فاذا كان عيسى مسيحاً لأنه جدد دين موسى، فأنه هو، غلام أحمد "مثل المسيح" لأنه يجدّد دين "مثيل موسى"، أي محمد. قال: "فالأمر الذي كشفه الله عليّ الآن هو أنني ذلك المسيح الموعود".
الضريح الكشميري للمسيح
ناقض ميرزا غلام أحمد النظرة الغالبة عند المسلمين، المتعلّقة بأنّ عيسى لم يمت وإنما رفع إلى السماء، وأنّ عودته منتظرة. ظهور مسيح جديد هو المقصود بالانتظار، والمسيح الجديد هذا هو ميرزا غلام أحمد، كما قدّم نفسه للناس. أمّا المسيح عيسى، فمات ووري الثرى. لزم إذاً اكتشاف قبره. عند زيارته كشمير، توقف ميرزا غلام أحمد عند مقام "روزا بال" في عاصمتها سرينغار، وابتدع روايته التي أثّرت حتّى عند بعض الأوروبيين، وهي أنّ عيسى بن مريم نجا من حادثة الصلب، وليس لأن أحداً آخر صلب بدل عنه، بل لأنه شبّه للناس أنه فارق الحياة على الصليب في حين أنه فارق الوعي لساعات معدودات فحسب. بعد نجاته سيهرب عيسى إلى ما وراء الفرات، ويعبر بلاد الفرس باتجاه الهيملايا، ويستقر في كشمير، ويتقدّم به العمر هناك، ويموت كأي انسان آخر. تحوّل "روزا بال" إلى محجّة للأحمديين، ولا يزال منهم من يحرص على زيارته، مع أنّ الأوقاف السنية التي تشرف على المقام تعتبره ضريحاً للقطب الصوفي سيد ناصر الدين، في حين يرجّح بعض علماء الآثار أن يكون الموقع مقاماً بوذياً في الأساس، ثم "تأسلم" لاحقاً..
السلفيون يلاحقون الأحمديين
يقدّر المنتمون إلى الأحمدية اليوم، بشقيها، "القادياني" - الأكثر صراحة في قوله بنبوة غلام ميرزا - و"اللاهوري" - الذي يعطي الصدارة لمفهوم "المجدّد للدين" ويلطّف هالة النبوة حول غلام ميرزا أحمد بعض الشيء - بنحو عشرين مليون، ويتزوج بعضهم بعضاً، ويتميزون بأعياد دينية خاصة مثل "عيد الخلافة" (يقصد بها خلافة مؤسس الفرقة). وفي حين كانت شبه القارة الهندية هي المعقل الأساسي للأحمديين، تبرز بلدان أفريقيا الغربية اليوم، وخصوصاً غانا، بوصففها بلداناً تنتشر فيها الأحمدية بشكل بدأ يزيد على عشر السكّان. أما البلد الأساسي الذي تركّز فيه الأحمديون تاريخياً، فهو باكستان، بل أنهم هاجروا بعد التقسيم، من الهند إليها، ولعب الكثيرون منهم دوراً بارزاً في بناء الدولة، لكن باكستان التي كانت تعترف بالأحمدية كجزء من الأمة الإسلامية في الخمسينيات، عادت ورضخت للضغط المتشدد والسلفي داخلها من ناحية أخرى، لتكفير الفرقة وحظر أنشطتها ومصادرة أماكن عبادتها وملاحقة أنصارها في السبعينيات، دون أن يؤدي ذلك الى استئصال الأحمدية فيها، وإن كانت "الخلافة"، أي قيادة الفرقة، انتقلت في ثمانينيات القرن الماضي إلى لندن. باكستان بلد شارك الأحمديون في بلورة فكرته ككيان مستقل عن الهند، لكنهم عادوا ولوحقوا من سلطاته واضطهدوا فيه، في حين بقيت لهم حرية التعبد وحرية الحركة في الهند..