جزئيّاً على الأقلّ، جاء انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان، بعد تعطيل دام أكثر من سنتين، نتيجة تدخل وضغوط مباشرة من دول خارجية كالولايات المتحدة والسعودية. وقد بدا ذلك التدخل انتقاصاً للسيادة اللبنانية، ما أحرج بعض المرحّبين به ممّن يُلقبون أنفسهم بالسياديين، خصوصاً أن هؤلاء، كما تشي التسمية، كانوا قد بنوا رفضهم لتدخلات النظامين السوري والإيراني على اعتبارات سيادية.
لذا يفتح الاستحقاق الرئاسي اللبناني مناسبة لنقاش مسألة السيادة والتدخّل الخارجي. فالسيادة وإن تكن على قدر من الأهمية وينمّ غيابها عادة عن خلل لا يستهان به، إلّا أنها ليست المعيار الوحيد أو الأهم. فقبلها تأتي اعتبارات أخرى كالسلم الأهلي ومنع الاستبداد وانتظام الحياة العامة وعدم انتهاك الحقوق الأساسية للبشر.
كذلك ليست كل تجارب التدخّل الخارجي مدانة. فبعيد الحرب العالمية الثانية مثلاً، فقدت اليابان (كما ألمانيا) سيادتها وخضعت لاحتلال أميركي أشرف على إعادة إعمارها، وأخرج لها دستوراً ومؤسّسات ديمقراطية مكّنتها في وقت قصير من تعويض خسائرها الهائلة في الحرب والمضي بشكل سريع نحو عقود طويلة من الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي. يسري هذا الحكم أيضاً على تدخّل فيتنام الشيوعية في كمبوديا (الشيوعية أيضاً) عام 1978 والذي قضى على حكم الخمير الحمر المسؤول عن قتل حوالى ربع سكان ذلك البلد. وهناك أمثلة عديدة أخرى.
لذا، فالسؤال الأساسي لا يجب أن يدور حول التدخّل الخارجي بحدّ ذاته، بل حول الظروف التي برّرته والأحوال التي نتجت عنه. فالاعتراض على التدخّل الإيراني في لبنان وسوريا لا يجب أن ينطلق أساساً من كونه يشكّل انتهاكاً لسيادة هاتين الدولتين، وإن كان يفعل بالتأكيد، بل من الضرر الذي ألحقه ذلك التدخّل ومن تعزيزه سطوة جائرة تمارسها جماعة على أخرى، وتعزيزه نظاماً مستبداً على شعبه.
فلا يغير في الأمر شيئاً أنّ التدخل الإيراني (وكذلك الروسي) في الحالة السورية لم يشكل انتهاكاً للسيادة بالمعنى القانوني، كونه أتى بطلب من الدولة السورية. والحال لم يكن ليبدو أفضل لو أن الاستبداد والتنكيل الأسدي قد اكتفيا بقدراتهما وقدرات بيئتهما الحاضنة الذاتية، من دون حاجة إلى تدخل خارجي.
كذلك هي الحال مع "حزب الله" وسلاحه. فالاعتراض على ذلك السلاح، أقله بعد عام 2000، لا يجب أن ينبع أولاً وأساساً من كونه يشكل تدخلاً إيرانياً في شؤون اللبنانيين. بل من كونه يجرّ البلاد إلى حروبٍ مدمّرة لا طائل منها، ويعزز سطوة فئة لبنانية تحتكر ذلك السلاح، بغض النظر عن مصدر السلاح خارجيّاً كان أم ذاتيّاً، كما بغض النظر عمّا إن كان السلاح مشرّعاً عبر بيان وزاري أو لا.
وبحسب ذلك المنطق نفسه، لا يجد أحدنا حرجاً في الترحيب بالضغوط التي قد تمارسها اليوم دول خارجية (غالباً غربية) على الحكم الجديد في سوريا من أجل حماية الحقوق الاجتماعية والسياسية للأفراد والجماعات، والحدّ من نزعة ذلك الحكم لتبنّي توجّهات إسلامية متطرّفة. كذلك لا يجب أن يجد أحدنا حرجاً في الترحيب بالتدخل الخارجي الأخير في الاستحقاق الرئاسي اللبناني، إذا رأى فيه وسيلة ضرورية للخروج من عقم سياسي يمنع انتظام الشأن العام في البلاد.
لا شكّ أن ما تقدّم يترك المجال مفتوحاً لاختلاف الآراء على مبرّرات تدخل خارجي ما وتبعاته، فلا مهرب من خلاف كهذا. لكنّ المهم أن يجري النقاش هنا حول هذه المسائل وليس حول مسألة الخارج والداخل.