نايف عازار

"العصا الأميركية" فعلت فعلها

إسرائيل و "حماس" تذعنان والاتفاق يرى النور

4 دقائق للقراءة
المشهد كما بدا في شمال القطاع أمس (رويترز)

لا شكّ في أن صفقة وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى بين إسرائيل وحركة "حماس" كانت ثمرة ضغوط أميركية مَهولة فُرضت في آن على الحركة المنهكة وعلى حكومة نتنياهو الساعية إلى إطالة أمد الحرب في غزة، وهي ضغوط قادها خصوصاً الرئيس العائد اليوم إلى البيت الأبيض للمرة الثانية. فدونالد ترامب الذي أغدق على ناخبيه خلال حملته الانتخابية وعود وقف الحروب حول العالم، لوّح في الآونة الأخيرة بـ "فتح أبواب الجحيم" في الشرق الأوسط إن لم يتم إطلاق الرهائن من غزة قبل موعد تسلّمه مقاليد السلطة. وبسحر ساحر، فعلت "العصا الأميركية" فعلها وأذعنت الدولة العبرية كما "حماس" لضغوط ترامب، لترى صفقة وقف النار في القطاع المنكوب النور بعد 15 شهراً ونيّف من حرب ضروس مَحَت مناطق عدة في غزة عن الوجود.


وإسرائيل التي ارتكبت خلال حرب غزة إبادة لا مثيل لها في التاريخ الحديث، حرصت في اتفاق وقف النار على تعزيز قبضتها الحديدية على حدود القطاع، بغية حماية مستوطنات الغلاف من أي هجمات جديدة، وهي سيطرت بالتالي على شريط حدودي بطول حوالى 50 كلم، يشكل 15 في المئة من مساحة القطاع، وهذه المنطقة ستكون بمثابة "منطقة قتل" للفلسطينيين، وبغض النظر عمَّن سيحكم القطاع، فإن الدولة العبرية نجحت في تحقيق مكاسب أمنية في غزة.



أكبر سجن في العالم



إن كانت "حماس" نالت مبتغاها في الصفقة لناحية إرغام إسرائيل على إطلاق مئات الأسرى الفلسطينيين وبعضهم أصحاب "مؤبَّدات"، إلّا أن أعداد الضحايا الفلسطينيين الذين سقطوا من جرّاء الحرب بلغت عشرات الآلاف، ناهيك بالواقع الاقتصادي المرير وعملية إعادة الإعمار التي تحتاج لمليارات الدولارات ولسنين عديدة، وحتى أنّ اضطلاع السلطة الفلسطينية في إعادة بناء ما تهدّم، إن حصل، لن يكون وافياً، بل إن الحاجة ستكون إلى دور إقليمي ودولي، لأنّ القطاع الذي كاد يُمحى عن خارطة الشرق الأوسط، بات منطقة غير قابلة للعيش.


وما سيزيد من قساوة العيش فيه، أن أسواق العمل في إسرائيل التي كانت مشرَّعة لزهاء 15 ألف عامل غزيّ قبل 7 تشرين الأول، ستُغلق تماماً في وجوههم، بسبب أزمة الثقة غير المسبوقة التي نشأت بين سكان القطاع وإسرائيل، التي اتهمت هؤلاء العمال بإعطاء معلومات لـ "حماس"، وبالتالي لن يقبل الإسرائيليون بوجود غزيين بينهم في المدى المنظور. وبذلك، فإن الأزمة الاقتصادية حادّة في القطاع، وعلى الحركة أن تعيد النظر في حكمها القطاع المنكوب، إن بقيت في السلطة، إذ إنها لم تنجح أصلاً في إدارته قبل الحرب، بسبب استجرارها الحصار الإسرائيلي الذي جعل القطاع أكبر سجن في العالم.


صورة سوداوية ونيات خبيثة


تراوحت آراء الكتّاب في الصحف العبرية بين مهلّلة للصفقة ومنتقدة لها، فالصحافي عوفر شيلح اعتبر في "معهد دراسات الأمن القومي" أن مغزى الاتفاق واضح وهو أن إسرائيل لم تقضِ على "حماس"، لأنها لم تكن قادرة على ذلك. وأضاف أنه منذ أيار الفائت، دفع أكثر من 100 جندي حياتهم ثمن الطريقة التي اختارها رئيس الحكومة، كما دفع هذا الثمن عدد غير معروف من المخطوفين.


بدوره، المحلّل في "هآرتس" تسفي برئيل رسم صورة سوداوية للصفقة، جازماً أن تل أبيب لا تنوي الوصول إلى المرحلة الثانية منها، وأن مجرّد وجود مرحلة ثانية يدلّ على نيات خبيثة. وأكد برئيل أن هذه الخلاصة تقود إلى ضرورة إنقاذ أكبر عدد ممكن من المخطوفين في المرحلة الأولى، كأنه لن تكون هناك مرحلة ثانية.


الكاتب في "هآرتس" أيضاً حاييم ليفنسون قدّر أنه بعد الصفقة ستكون هناك ضغوط عربية وإسلامية على "حماس" لمنح سكان غزة وقف إطلاق نار دائماً يحتاجون إليه لإعادة بناء منازلهم. وأضاف أن الطموح يكمن في تنازل الحركة عن السلطة، وهو ما يسمح لها بادّعاء أنها منحت "حكومة وحدة" مفاتيح إدارة القطاع.


سيف استمرار القتال مصلت


الكاتب في "معاريف" عومر تسنعاني كتب أن الأمر الحقيقي الذي يجب أن يطرد النوم من أعين الإسرائيليين، هو أنه من دون تغيير دراماتيكي في سياسة الحكومة، التي رفضت حتى الآن بديلاً لـ "حماس"، فإن الصفقة لن تتقدّم في المراحل المقبلة، ومَن تبقّى من مخطوفين لن يعود.


في المقابل، كتب رون بن يشاي في "يديعوت أحرونوت" أن الصفقة هي الأفضل التي كان يُمكن التوصّل إليها. واعتبر أنها جيّدة، لأنها تتيح للجيش زيادة الضغط على "حماس" كي تفي بالتزاماتها، وهي تُبقي سيف استمرار القتال مصلتاً فوق رؤوس مسؤولي "حماس" كي يُعيدوا بقية المخطوفين.