بينما تنعقد الدّورة 22 لـ "أسبوع الصوت" من 20 كانون الثاني إلى 2 شباط 2025 الذي تقيمه "منظمة اليونسكو" بباريس وفي مختلف أنحاء فرنسا، للصمت أيضاً مكانه ومكانته في عالم الإبداع الفني. فهو ليس مجرّد غيابٍ للأصوات، بل حالة وجوديّة غنيّة بالمعاني. الصمت، الذي يُعتبر غالباً غياباً، هو في الحقيقة قوة تعبيرية ومعنوية في الفن. في الموسيقى، المسرح، الرسم، أو الأدب، يؤدي الصمت دوراً حاسماً كعنصر جمالي ورمزي. وبعيداً من كونه مجرّد فراغ، يتحوّل إلى مساحة للتأمل، والعاطفة، والتجاوز الروحي.
في مدينة العلوم بباريس، ينغمس الزائر في معرض "الصمت"، الذي يستعرض أشكالاً متعدّدة من الصمت عبر "محطات" شعرية تعبّر عن تجارب إنسانية مختلفة.
من أبرز المعروضات، بحسب صحيفة "لاكروا" الفرنسية، عمل الفنانة اليابانية شيهارو شيوتا، الذي يحمل عنوان "في الصمت". العمل الفني عبارة عن بيانو محترق يحيط به عدد لا يُحصى من الخيوط السوداء المتشابكة، ويعبّر عن ذكرى طفولتها حينما اندلع حريق في منزلها، تاركاً البيانو مثقلاً بالجمال والألم في آنٍ واحد، ليعزف "موسيقى صامتة".
تحت أنامل عازفة البيانو كلير ماري لو غاي، ينبض الصمت حياةً، فهي تصفه بأنه "صمت نابض"، بين النوتات الموسيقية نفسها. ترى كلير أنّ الملحنين منذ القدم كتبوا الصمت في مقطوعاتهم الموسيقية كعنصر مكمّل، مثل "وقفة" أو "صمت جزئي"، يضفي على القطعة قوة تعبيرية أعمق.
في الموسيقى، يُعتبر الصمت نغمة بحدّ ذاته. يستخدمه المؤلفون الموسيقيون لخلق لحظات من التوتّر، الاسترخاء، أو التأمل. تحتوي النوتات الموسيقية على فترات صمت ليست مجرّد غياب للصوت، بل هي لحظات انتظار مشبعة بالعواطف.
بُعد روحي
تستشهد كلير ماري لو غاي بقطع موسيقية كالـ "سوناتا في سي مينور" لفرانز ليست، التي تنتهي بتنهّدات تقود المستمع إلى صمت هادئ ومؤثّر، والمعروف أنّ في السوناتا المذكورة يتحوّل الصمت في النغمات الأخيرة إلى تنهّد عميق، وانتقال إلى بُعد زمني خالد. كما تذكّر بعمل باخ "فانتازيا وفوغ BWV 542"، الذي يكسر الصمت بشدّة في صيحة تمزّق الهدوء، وهو عمل كتبه بعد وفاة زوجته الأولى.
يشارك عازف الكلارينيت بيار الشعور نفسه تجاه الصمت، ويعتبره "حجر الأساس للموسيقى، بينما تفصلنا الضوضاء عن معناها العميق". موضحاً أنه يسمح للألحان بالتنفس ويمنح المستمع لحظات للتأمل في الجمال الكامن بين النوتات. جينيسون مقتنع بأنّ من واجب الفنان أن يعيد ربط المستمع بعالمه الداخلي، ويؤكّد أنه مفتون بالبعد الروحي للصمت، سواء كان في تناغمات باخ التي تبقى تصدح بعد انتهائها، أم في ألحان موزارت التي تتنفّس بنَفَس إنساني وإلهي، أم في الموسيقى الطيفيّة لتريستان موراي التي تجعل من الصمت مادة صوتية تتفاعل باستمرار مع تردّدات الآلات. ويذكّر بتجربة جذرية مع الصمت في عمل "جون كيج "33'4"، الذي يتكوّن من ثلاث حركات دون أي نغمة موسيقية، ليكون صدى الضوضاء المحيطة هو ما يُسمع، مؤكداً استحالة الوصول إلى الصمت المطلق.
تواصل غير منطوق
لا يقتصر تأثير الصمت على الموسيقى فقط، بل يمتدّ أيضاً إلى المسرح. تشير سيلفي ديغي، أستاذة الصوت والغناء في "المعهد الوطني للفنون الدرامية" في باريس، إلى أنّ الصمت في المسرح ليس مجرّد توقف عن الكلام، بل هو عنصر يعزّز التفاعل بين الممثل والنص والجمهور. وتشير إلى أن "الصمت يسمح للممثل بأن يستمع إلى نفسه، إلى شريكه على المسرح، وإلى الجمهور. إنه مساحة للتواصل غير المنطوق".
في أعمال صامويل بيكيت، الكاتب المسرحي الأيرلندي العالمي، يصبح الصمت شخصية بحدّ ذاته. ففي مسرحيته الشهيرة "في انتظار غودو"، لا يملأ الصمت الفراغ، بل يسلّط الضوء على فراغ الوجود البشري، كاشفاً المسكوت عنه، وعجز الإنسان عن التواصل، وعبء الانتظار. وهكذا، يتحوّل الصمت من كونه مجرّد فاصل إلى وسيلة لكشف الحقائق العميقة للبشرية.
عام 2024، تعاون غيوم بوا ولورين دي ساغازان مع "الكوميدي فرنسيز" لتقديم مسرحية صامتة مستوحاة من أفلام مايكل أنجلو أنطونيوني. في هذه المسرحية، يُستثنى الحوار تماماً، ما يركّز الانتباه على حركات الممثلين وتعبيرات وجوههم. تقول دي ساغازان لصحيفة "لاكروا": "إنها تجربة تتطلّب تركيزاً عميقاً وشفافية كاملة واستماعاً هائلاً، حيث تنبع الأسرار من الصمت".
دروس الصمت
استلهاماً من منهج ماريا مونتيسوري الطبيبة والمعلّمة الإيطالية الشهيرة، يقوم بعض المربّين بتعليم الأطفال أهمية الصمت منذ سن مبكرة. "دروس الصمت" هذه تسمح للطلاب بتطوير تركيزهم، واستماعهم، وحساسيتهم للتفاصيل. في عالم يسير بسرعة، تعلّم التوقّف هو هدية ثمينة. لذا تُنظّم، خلال "أسبوع الصوت"، ورش عمل تعزّز مهارات التركيز والتأمل عند الأطفال، باستخدام نصوص كلاسيكية مثل "الغراب والثعلب" للافونتين.
وللتذكير المختصر فإنّ "منهج مونتيسوري" نظام تعليمي متكامل له فلسفة خاصة به، يؤمن بأنّ الطفل يتعلّم أفضل في بيئة اجتماعية تدعم وتغذّي أنماط التطوّر الخاصة بكل طفل.
للذين سيزورون العاصمة الفرنسية في الأشهر المقبلة ويرغبون في لحظات صامتة تضجّ بالمعاني، يستمرّ معرض "الصمت" في مدينة العلوم حتى 31 آب المقبل، ليغمرهم بتجربة استكشاف الجماليات التعليمية والشعرية للصمت.
أسبوع الصوت 2025 تحت شعار "الصوت والسياسات"، تقدّم الدّورة 22 لـ "أسبوع الصوت" مجموعة فعاليات. جمعية "أسبوع الصوت"، التي أصبحت منظّمة غير حكومية في أيلول 2024، تسلّط الضوء على كونها المنظمة الوحيدة التابعة لـ "الأمم المتحدة" التي تركّز على عالم الصوت. تُقام هذه الدورة برعاية الأكاديمي إيريك أورسينا والمغني كينجي جيراك. ويهدف الحدث إلى رفع الوعي حول أهمية الأصوات وجودة البيئة الصوتية من الناحية الاجتماعية، وإلى توعية الجمهور وصنّاع القرار بأهمية الأصوات من الناحية المجتمعية وجودة البيئات الصوتية. يتمحور الحدث حول خمسة مواضيع رئيسية 1. الصحة السمعية: تسليط الضوء على أهمية الحفاظ على حاسة السمع ودراسة تأثير الضوضاء على الصحة النفسية والجسدية. 2. الصوتيات والبيئة الصوتية: البحث في كيفية تحسين جودة الصوت في الأماكن العامة. 3. تقنيات تسجيل الصوت وإنتاجه: مناقشة التطورات في تكنولوجيا الصوت. 4. العلاقة بين الصورة والصوت: استكشاف التكامل بين الصوت والصورة في السينما والإعلام. 5. التعبير الموسيقي: دراسة كيفية استخدام الصمت كجزء من التعبير الموسيقي. |