أعاد شعار "الطريق إلى القدس" الذي رفعه "حزب الله" في "حرب الإسناد" أو "الإشغال" التي خاضها ابتداءً من 8 تشرين الأول 2023، إلى الواجهة، أدبيّات مرحلة نهاية الستينات التي شهدت بداية خروج عن الانتظام العام وتشكيل تنظيمات مسلّحة لشنّ عمليات فدائية انطلاقاً من جنوب لبنان.
نسيم ضاهر، القيادي اليساري السابق، استرجع في كتابه "الطريق إلى القدس"، الصادر قبل أسابيع عن "دار سائر المشرق"، سلوكيّات وأداء "الحركة الوطنية" و "المقاومة الفلسطينيّة"، ومضامين خطابها، في ضوء تجدّد الإرهاصات التي تقود لبنان مجدّداً "على طريق القدس"، متجاهلةً تداعيات المرحلة السابقة التي أودت بلبنان إلى حيث يتخبّط منذ سنوات، والتي لا خروج منها طالما أن هذه الإرهاصات مستمرة!
بدأ "الحزب الشيوعي" بتشكيل فرق الحرس الشعبي جنوباً بعيد هزيمة 1967، ومن ثم خاض أول تجربة تدريبية عام 1969 في معسكرٍ مشترك بإشراف الصاعقة في يبرود (القلمون السوري)، تلتها دورة في محيط اللاذقية.
ومن ثم انتقلت مجموعة أولى إلى مخيم للجبهة الشعبية في غور الأردن. وفور اندلاع الأعمال المسلّحة بين الفلسطينيين والجيش الأردني في أيلول 1970 طرح الالتحاق بالمقاومة في الأردن، لكن صعوبات عملانية حالت دون ذلك. عندها كان الحزب قد أخذ يتولّى الإعداد العسكري تحت إشرافه الكامل، وبات له مخيّم مستقلّ في جوار بلدة قبريخا الجنوبية، حيث بلغنا نبأ وفاة الرئيس جمال عبد الناصر.
هكذا، وبخلاف الروايات المتداولة حول مبادرة "اليمين الانعزالي" وحده إلى التعبئة العسكرية باكراً، تقضي الأمانة بعدم اجتزاء الحقيقة، والقول صراحة أنّ عامل الحيطة اختلط بالهواجس المتبادلة، وقاد كلّ فريق إلى تغليف لعبة السلاح برداءٍ دفاعي وغايات نبيلة توزّعت بين إنقاذ الشرعية من جهة ونصرة الضحية من الجهة الأخرى.
"منظّمة التحرير" في لبنان
جاء انتقال "منظّمة التحرير"، بأجهزتها وكوادرها وقوافل قوّاتها إلى لبنان، فاتحة إرهاصات امتدّت لعقد ونيّف وأسهمت عضوياً في اندلاع الحرب الأهلية وتداعياتها. لا مراء في تجاوزها حدّ المحتمل في غير منطقة ومناسبة، لكنّ الأفدح خروجها على السيادة اللبنانية بدءاً من تدخّلها السافر في معارج السياسة الداخلية، وصولاً إلى إقامة دولة ضمن الدولة وتهديد الصيغة اللبنانية برمّتها.
وحيث تفاوتت، في الظاهر، ردود فعل طرفَي النزاع الأهلي حيال انتهاك السيادة، إلّا أنّ الحرص لم يكن من نصيب "الجبهة اللبنانية" حصراً، وإن كتَم أفرقاء أساسيون على الضفّة المقابلة مدى تبرّمهم من الممارسة الفلسطينية ورفضهم المساس بالسيادة. فشتّان بين المعاناة في مناطق تمركزت فيها "منظّمة التحرير الفلسطينية" وبسطت الهيمنة إلى حدّ كبير عليها، وتلك الخارجة عن سطوتها التي لحقت بها أضرار جانبية بالقياس، فعوض مدّ الجسور مع الخصم اللبناني، آثرت "الجبهة اللبنانية" مخاطبة الفلسطيني والقفز فوق الشريك المحلّي.
يدرك المرء أنّ شريط الأحداث شاهد على التاريخ في ذاته، يصوّر الذي جرى في المسرى، ويغيّب ما لم تترجمه الأفعال. بهذا المعنى، لا يجتهد في ما وراء الصورة، وما قبلها، وما بقي خرج حقل التصوير. كم من عاملٍ خفي أسقط من الحسبان، كم من محاولة تجنُّب الانفلات الأعمى أجهضت في الطريق، بل كم من مبادرة للجم التصعيد المتبادل خُنقت في المهد تحت وطأة ردّ الفعل وأحياناً الثأر...
نوايا ومخطّطات
[...] قالت "القوّات اللبنانية"، وليدة "الجبهة اللبنانية"، بتوحيد البندقية، بينما لهثت القوّات المشتركة الذراع العسكري للحركة الوطنية، وراء تنسيق نسبي الجدوى، لتعدّد المشارب الإيديولوجية والبنى التنظيمية، وزاد طينها بلّة التصاق فصائل منها بالجانب الفلسطيني أو بالأنظمة العربية، السوري بخاصة. ومن النافل أنّ ياسر عرفات برع في تفريخ التنظيمات اللبنانية التابعة وتناسلها دكاكين مسلّحة تأتمر بأجهزته. وكان لكلّ من الصيغتَين في المحصّلة، نتائجها المباشرة على القتال والاقتتال، بمعنى أنّ "القوّات اللبنانية" اكتسبت فعالية ميدانية معترف بها، بيد أنّ توحيد البندقية ترتّب عليه أكلاف وأثمان بين أبناء الصف الواحد. في المقابل، حافظت القوّات المشتركة على كياناتها، وراياتها، إنّما افتقدت الانضباط والحرفيّة، وما خالفت القاعدة الناجمة عن فوضى السلاح من تصادم ومواجهات جانبية، وحيث عمل اليسار على توكيد الشخصية اللبنانية في المعادلة والتفلُّت من نهج الوصاية، كان له المحاصرة والعقاب.
شغلت الطريق إلى فلسطين، صلاح خلف (أبو أياد) وجماعته، فخطّ لها مساراً يمرّ بجونية على سبيل المغالطة والتهويل، وكان عليه، في المقام الأول إقناع أبي عمار، قائده الأعلى بصوابية هذه الأطروحة، إذ جاء دويها صاعقاً، لزوم ما لا يلزم، في عرف القيادة الفلسطينية العارفة بتبعات هكذا شرود ومزالقه التي استنبطت، الاستيلاء على لبنان كوطنٍ بديل للفلسطينيين. في الواقع، أثارت خريطة الطريق الصادرة عن مسؤول جهازٍ مخابراتي في إطار الحرب النفسية، العديد من التساؤلات، ربّ ليس أقلّها لدى أبو جهاد، الرجل الثاني في منظّمة فتح، لكنّها بالتأكيد رسّخت ظنون "الجبهة اللبنانية" إزاء نوايا "منظّمة التحرير" ومخطّطاتها لابتلاع لبنان وطرد المسيحيين منه. ومن سوء الطالع، أنّ ياسر عرفات، القائد العام للثورة الفلسطينية ومالك الامتياز، أتقن لغة المراوغة لدرجة عالية، وما أقدم يوماً علانية على إيضاح حقيقة الموقف من مسألة شديدة الخطورة روّج لها أحد معاونيه اللصيقين. وعلى الأرجح أن مردّ الصمت المشبوه مزدوج الصلة بأسلوب عمل فتح: أولاً، وعلى جاري العادة المتأصّلة، حرص عرفات على تماسك الحلقة الضيقة المحيطة به في القيادة، وثانياً، إيقاع "الجبهة اللبنانية" عمداً في بلبلة وترقّب، خشية اختراق يطاول قلب حصنها، على مقربة من مقرّ بكركي حامل الرمزية التاريخية. وعلى مرّ السنوات، سوف يستمرّ عرفات يمارس حرفة التمويه والمباغتة، سواء داخل البيت الفلسطيني أو في علاقته بالمحيط، الصديق منه والعدو.
مواجهة أبناء الوطن الواحد
من جانبه دأب رئيس "حزب الكتائب" بيار الجميّل على التنديد باليسار الدولي، والتحذير من خطر الشيوعية على الكيان، مجانباً خطابه الحقيقة في الحالَين. فقد فاته أنّ الأمميّة الشيوعية (الكومنترن) ما عادت موجودة، ولا حتى الكومنفورم، وأنّ المعسكر الاشتراكي كما الدولية الاشتراكية الديمقراطية التي ينتسب إليها "الحزب التقدّمي الاشتراكي"، لم يبدِ حماسة للحرب الأهلية الجارية، لطالما فضّل تجنّبها. أما تحذيره من الخطر الشيوعي على الكيان فكان على نقيض موقف "الحزب الشيوعي اللبناني" آنذاك، الثابت في دعوته للذود عن السيادة والجمهورية معاً. الحقيقة أنّ ركوبه موجة العداء للشيوعية والتصويب على اليسار كان بالنسبة إليه أهون عنوان، إذ جاءت مخاوفه أصلاً من تصدّع معادلة الجناحين، الإسلامي والمسيحي، الديموغرافية في المقام الأول، (والتسووية المحافظة، المناهضة للعلمانية)، وانزياح الشريك التقليدي نحو مزيدٍ من عروبة تجاوزت الميثاق، سوف تبدّل هويّة لبنان لاحقاً في اتّفاق الطائف، من ذي وجه عربي إلى عربي كامل، من دون مسّ بالكيان.
لا ينتهي تعداد نماذج القصور في تعرية المواقف المشتبهة أو الملتبسة على فريقَي الصراع، وليس من غرابة في الأمر، لأنه شائع من موروث الحروب الأهلية عامة: بل إن ذلك كان دوماً مادة من وقودها، وسبباً من أسباب تعطيل الوصول إلى تسويات تضع حدّاً للنزيف والاقتتال. وربما لخّصت مقولة "حروب الآخرين على أرضنا" مبلغ الهروب من التشخيص الحقيقي لما جرى في لبنان، بغية تنقية الذاكرة ببراءة لا تستدعي المراجعة النقدية، ولا تستخلص العبرة المرجوة المؤدّية إلى اقتلاع بذور العنف والتعهّد بعدم التكرار. إنّ اختزال حقبة الصراع بعوامل خارجية وحسب - وهي حضرت تماماً وما زالت قائمة رغم تبدّل المناخات وبروز لاعبين جدد على المسرح الإقليمي - لهو ضرب من الاستخفاف بأعراض الداخل المجتمعي، ودعوة ملائكيّة تتغاضى عن تنامي الأصوليات مصحوبة بنزعة العنف وتقديس السلاح...
غابت الصورة الوردية حين ارتكبت "الحركة الوطنية" خطيّتها الأصلية، وحملت السلاح في مواجهة أبناء الوطن الواحد متلحّفة بالذود عن قضية فلسطين وشعبها المظلوم. فأيّاً كانت المآخذ على "المارونية السياسية" باعتبارها انعزالية في الصميم وراعية نظام طائفي تستأثر أحادياً بمقدّراته وبمؤسّسته العسكرية، ما جاز مطلقاً الانقياد، إن صحّت مضبطة الاتّهام هذه، إلى اقتتالٍ أهلي يعمي البصيرة ويطبع سلوك دعاة التغيير المفترضين بالتهوّر والمغامرة بالكيان. والحال أنّ اليسار اللبناني المنضوي تحت مظلّة "الحركة الوطنيّة"، قد ارتكب خطأ فادحاً، سواء في تجاهله (أو بالأحرى رهانه اللامبدئي على رافعة إسلامية) لطبيعة المعركة المصيرية التي آلت إلى منازلةٍ طائفية...
