تسفي برئيل - "هآرتس"

فكرة "الترانسفير" قد تعرقل تحرير المخطوفين

6 دقائق للقراءة
معبر رفح الحدودي بين مصر وغزة بعد فتحه السبت (رويترز)

كتب تسفي برئيل في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية مقالاً اليوم بعنوان "فكرة "الترانسفير" التي يقترحها ترامب قد تعرقل تحرير المخطوفين"، جاء فيه:


يمكن أن تبدأ غداً المرحلة الثانية، المعقدة والقابلة للانفجار، في المفاوضات حول تحرير المخطوفين. عملياً، بدأت المفاوضات الأسبوع الماضي عندما ألقى الرئيس ترامب على الساحة برميل مواد متفجرة، تمثل بطلبه من مصر والأردن استيعاب حوالى مليون ونصف من الغزيين. كرّر ترامب مرتين هذا الطلب، بحيث أنه في المرة الثانية أعرب عن ثقته بأن هذا الطلب سيجري الرد عليه بالإيجاب، لأن مصر والأردن تعتمدان على المساعدات الأميركية. وقال ترامب حرفياً: "مصر والأردن ستفعلان ذلك، ستفعلان ذلك، لأننا نفعل الكثير من أجلهما ستفعلان ذلك".


يبدو أن ترامب على قناعة بأن السوط الاقتصادي الذي يستخدمه ضدّ كولومبيا والمكسيك من الجيّد استخدامه أيضاً في الشرق الأوسط. ولكن أمس، في مؤتمر قمة وزراء الخارجية العرب الذي عقد في القاهرة، وقف أمامه "سور الدفاع" العربي. فقد أوضحوا له (ولجوقة المشجعين في إسرائيل) أن الدولتين المعنيتين مباشرة في خطة "الترانسفير"، أي مصر والأردن، ليستا الدولتين الوحيدتين اللتين ترفضان استيعاب فلسطينيين من غزة وإقامة "دولة واحدة لشعبين" على أرضيهما، بل إن السعودية، قطر والإمارات، التي تشكل مع مصر والأردن المحور المؤيد لأميركا والمناهض لإيران، الذي يُعتبر الأساس الذي تعتمد عليه أميركا وإسرائيل لتأسيس "حلف "ناتو" الشرق الأوسط"، رفضت هذه الفكرة بشكل حازم.


آلاف المصريين الذين تظاهروا قرب معبر رفح وهتفوا بشعارات ضدّ "التهجير" لسكّان غزة، لم يستيقظوا في الصباح وقرّروا بشكل عفوي التعبير عن موقفهم. التظاهرات الكبيرة في مصر محظورة قانونياً، ولا سيما في منطقة تعتبر من المناطق المحمية جداً في مصر، حيث الوصول إليها بحاجة إلى عدة تصاريح من المخابرات المصرية. ولكن، على الرغم من أن الأمر يتعلّق بتظاهرة بادرت إليها الشرطة، إلا أنها تعبّر عن شعور أصيل لدى الجمهور المصري الواسع الذي يتماهى مع معاناة الفلسطينيين ويؤيد الحلّ السياسي، لكن ليس على حساب مصر أو حساب مواطنيها.


بالنسبة إلى مصر، فإن نقل مليون ونصف فلسطيني إلى أماكن سكن ثابتة فيها يُعتبر أيضاً تهديداً أمنياً خطراً، ليس فقط لأن التظاهرات المؤيدة للحكومة يمكن أن تتطور وتصبح تظاهرات جماهيرية لا يمكن السيطرة عليها، بل لأن اقامة مستوطنة منفى فلسطينية في شبه جزيرة سيناء تشكل أرضاً خصبة لازدهار بؤر إرهابية جديدة. التهديد على الأردن أخطر، والملك عبدالله الثاني على يقين أنه تهديد وجودي حقيقي، فثلثا مواطني الأردن هم من أصل فلسطيني، وإضافة مئات آلاف الفلسطينيين يعني أن الأردن يمكن أن يصبح الدولة الفلسطينية البديلة.


تجري دراسة هذه التهديدات الآن إزاء تهديد ترامب الأردن ومصر بقبول العرض وإلا قطع عنهما المساعدات الأميركية. تعتمد مصر والأردن في الحقيقة بشكل كبير على هذه المساعدات، ويحظى التهديد بالمسّ بها وزناً في قرارات الدولتين. ولكن، المسّ المتوقع بالمصالح الوطنية والوجودية لهما يمكن أن يكون أثقل. من هنا، فإن أهمية مشهد التضامن أمس في القاهرة، الذي وقفت فيه الدول العربية الغنية إلى جانب الأردن ومصر، كأنها أرادت القول إنه إذا كان ترامب يلوح بسوط المساعدات الاقتصادية، فإنه سيكون هناك من يمكنه أن يحلّ محلّه.


ليس من نافل القول التذكير بأن الدول الثلاث الرائدة، السعودية والإمارات وقطر، تستثمر عشرات مليارات الدولارات في الشركات والعقارات في الولايات المتحدة. وحتى أن السعودية أبدت نيتها استثمار 600 مليار دولار في الولايات المتحدة في فترة ولاية ترامب، وهكذا فإن التهديد الأميركي بالمسّ بالتمويل يمكن أن يتبيّن أنه سيف ذو حدين. ولكن الأموال، كما هو معروف، ليست كل شيء. فعندما يحوّل ترامب إخلاء غزة إلى منافسة لليّ الأذرع مع الأردن ومصر، فإنّ السعودية يمكنها أيضاً استخدام ورقة التطبيع مع إسرائيل من أجل "إقناع" ترامب بالنزول عن الشجرة. نحن لا نحتاج إلى تخيّل سيناريو أكثر خطورة من تجميد اتفاق السلام بين مصر والأردن والإمارات، وبين إسرائيل. ولكن، إذا ظهر أن إسرائيل ستكون المسؤولة عن نكبة فلسطينية جديدة، فإنّ التطلع إلى إنشاء واقع جديد في الشرق الاوسط يمكن أن ينتقل إلى أرض الأحلام.


حتى لو افترضنا للحظة أن مصر والأردن ستوافقان على استيعاب لاجئين من غزة، وأن الدول العربية الغنية ستقوم بتمويل عملية الطرد والتوطين من جديد، وتمويل تواجد الفلسطينيين هناك لفترة طويلة، فكيف ستتصرف إسرائيل إذا رفض سكّان غزة ركوب الحافلات و"الهجرة بشكل طوعي"؟ هل الطرد عندها سيشبه طرد الأرمن من تركيا أو الاجتثاث بالقوة لملايين سكّان القوقاز في فترة ستالين؟ أو طرد الألمان من بولندا في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية؟ الإجابة على هذه الأسئلة يمكن أن تؤدي بإسرائيل إلى مكان مخيف، ويكمن الأمل في أن ينجح الكابح العربي في شطب هذه الفكرة من جدول الأعمال.


المشكلة الفعلية هي أن الانشغال بفكرة "الترانسفير" وكأن الأمر يتعلق بخطة قابلة للتنفيذ وموجودة على الباب، يُبعد ويقمع ضرورة مناقشة قضية إدارة قطاع غزة ويهدّد تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق إعادة المخطوفين. في هذه الأثناء، استكمال الاتفاق واعادة جميع المخطوفين يلزم إسرائيل ليس فقط بوقف الحرب، بل أيضاً تجنب استئنافها والانسحاب من قطاع غزة والبدء في مناقشة إعادة الإعمار هناك. ولكن، عندما تكون موضوعة على الطاولة فجأة فكرة "الترانسفير"، فإنّ المطالبة بإلغائها يمكن أن تصبح شرطاً أساسياً آخر تقوم "حماس" بطرحه، الأمر الذي سيجعل جميع المخطوفين رهائن مقابل سلامة جميع سكّان غزة ومستقبل القطاع.


ولكن هذه المرة، يمكن لـ "حماس" الاستناد إلى الشرعية التي سيتمتع بها طلبها بسبب الموقف العربي الشامل، الذي بمجرّد محاربته لـ "الترانسفير"، فإنّه يرفع غزة من مكانة مشكلة إنسانية محلّية إلى تهديد أمني وجودي للعرب. يمكن للاتفاق القائم عندها ألا يكفي من أجل تحرير جميع المخطوفين. يجب على إسرائيل حينها إجراء مفاوضات، ليس فقط على هوية السجناء الفلسطينيين الذين سيجري إطلاق سراحهم في المرحلة الثانية من الاتفاق، وعلى عمق الانسحاب من القطاع، بل على طريقة إدارة القطاع، من أجل وضع كابح أمام تطبيق فكرة "الترانسفير".


تبعاً لذلك، ستجد إسرائيل صعوبة أيضاً في تبرير استئناف الحرب من أجل إنهاء تدمير "حماس"، من دون الاعتراف بأنها تتنازل عن حياة المخطوفين الباقين، خصوصاً بعدما ثبت بأن الاتفاقات، الضمانات والضغوط السياسية، هي التي أدت إلى تحرير المخطوفين حتى الآن وليس الضغط العسكري.


ولكن، المعنى هو أنه حتى لو جرى تحقيق هدف استئناف الحرب، وجرت تصفية آخر رجال "حماس" مع آخر مخطوف، فإنّه حتى الآن لم يجر إيجاد حلّ لإدارة القطاع وإدارة حياة الـ 2.25 مليون فلسطيني الذين يعيشون فيه.