بعد تولية أحمد الشرع رئيساً انتقالياً لسوريا، شهدت البلاد سلسلة من القرارات الهادفة إلى إعادة هيكلة الدولة، مثل إلغاء دستور 2012، وحلّ مجلس الشعب والأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد البائد، بالإضافة إلى حلّ الجيش وإعادة بنائه. لا شكّ في أنّ هذه المرحلة ستكون حجر أساس في رسم شكل سوريا الجديدة، ولكن هناك تساؤلات تطرح حول مدّتها وما سينتج عنها من تغيير في الجمهورية السورية.
للإجابة عن علامات استفهام عدّة مطروحة على بساط البحث، كان لـ "نداء الوطن" حديث مع الصحافي السوري أسامة يونس، الذي أوضح أن الشعب السوري يعيش عملياً المرحلة الانتقالية منذ 8 كانون الأوّل من العام الماضي، لافتاً إلى أن المرحلة الانتقالية التي تجري على أرض الواقع تختلف عن التي يروّج إليها والتي هي عبارة عن الدولة التي يراد تشكيلها، وبالتالي سوريا أمام خطوات متدرّجة لتأسيس دولة بديلة عن النظام السابق. واعتبر يونس ألّا أحد يمتلك بعد إجابة عن سؤال كيف سيكون شكل سوريا المقبل، لكن لدينا معطيات تشكّل صورة عن شكل الدولة الممكن. المعطى الأهمّ هو ما حدث قبل 8 كانون الأوّل أو خلال فترة "11 يوماً" قبل سقوط الأسد، حيث بدأ نموذج إدلب يطغى. كانت إدلب خارج سيطرة النظام وخاضعة لحكومة الإنقاذ التي تعمل تحت إشراف "هيئة تحرير الشام" والتي تشكّلت عام 2017 وضمّت مجموعة من الفصائل، أكبرها "هيئة تحرير الشام". والهيئة كانت سابقاً "جبهة فتح الشام" التي كانت بدورها "جبهة النصرة" التي نشأت بعد أشهر قليلة من بدء الاحتجاجات في سوريا، وكانت فرع "القاعدة" في البلاد. وفي كلّ مرّة كان يحصل تغيير في الاسم كي تشطب عن لوائح الإرهاب، إذ إنها مصنّفة أمميّاً بأنها منظمة إرهابية.
هذه المجموعات من الفصائل انضمّت تحت لواء "إدارة العمليات العسكرية" وبدأت تسيطر تباعاً على حلب وحماة وحمص، وبالتالي ما يدلّ على تلقي جيش الأسد أوامر بالانسحاب، أنه لم يخض آنذاك أي قتال فعلي، ما طرح تساؤلات لدى الفصائل ذاتها. وبرأي يونس أن هذا الأمر يدلّ على تنسيق مع القوى الكبرى المسيطرة في سوريا، وهي أميركا وتركيا وروسيا وإيران، ونتج عن هذا الأمر تشكّل خريطة جديدة لسيطرة القوى من خلال عملية "إحلال"، أي "إحلال" تركيا مكان إيران، إذ سيطرت على المناطق التي كانت تحتلّها إيران أثناء حكم الأسد، مشيراً إلى أنه بعد سقوط الأسد تمّ القضاء على الجيش السوري بشكل كلّي، في سيناريو يشبه ما حدث في العراق، ما يضعنا أمام تساؤلات كبرى حول نتيجة هذه الإجراءات.
على الصعيد السياسي، تحدّث يونس عن تفرّد "هيئة تحرير الشام" بالحكم في سوريا، حيث تأقلم المواطنون مع "الشرعية الثورية" في ظلّ وجود حكم ديكتاتوري قاسٍ، على الرغم من اتخاذ بعض الإجراءات غير القانونية، واللافت كان بما تمّ تداوله عن عملية ترفيع ضبّاط أجانب ودورة شرعية للمنتسبين إلى الجيش. وختم أن الشعب السوري وُعد خلال الفترة الأولى بالانتقال إلى المرحلة الجديدة في غضون أشهر، ولكن تلتها مقابلة للشرع يقول فيها إن صياغة دستور جديد ستأخذ سنوات، لذا فإن الرئيس الانتقالي نفسه أجاب عن هذه التساؤلات المطروحة.
تُثير هذه الوقائع مخاوف في شأن مدى فعالية المرحلة الانتقالية التي لا تزال ضبابية، وقدرتها على مواجهة التحديات ورواسب نظام حَكَم البلاد لعقود. والجدير بالقول إنه من الباكر إصدار الحكم على الشرع، إذ إن المرحلة الانتقالية هي بمثابة مرحلة تجريبية يختبر فيها الشعب السوري الإدارة الجديدة ويتعظ من الماضي، لأن البلاد لم تعد تحتمل حسابات خاطئة من جديد ويجب النضال من أجل الوصول إلى دولة مدنية تصون حقوق الإنسان وتعيد للشعب السوري ما حرم منه على مرّ عقود من الزمن.