في خضم الاحتفالات التي عمّت الشوارع السورية عقب سقوط النظام السابق، تطفو تساؤلات مشروعة إلى السطح حول مصير الأقليات الدينية والعرقية في سوريا، وعلى رأسهم المسيحيون والدروز والعلويون.
فبعد سنوات طويلة من التهميش والإقصاء، يخشى البعض من أن تؤدي حال الفوضى وعدم الاستقرار التي تلت سقوط النظام، إلى تصاعد نفوذ الجماعات المتطرّفة، التي قد تسعى إلى فرض رؤيتها المتشدّدة على الأقليات، وتقويض حقوقها وحرياتها.
يخشى يوحنا من مستقبل بلاده في ظلّ المتغيرات السياسية الأخيرة، ويقول: "لم أفكر في مغادرة سوريا من قبل، على الرغم من قمع النظام السابق. كنت أعيش بعيداً من المشكلات، ولكن الآن، أشعر بخوف شديد من تحوّل سوريا إلى دولة إسلامية متشدّدة، خصوصاً مع انتشار مظاهر التطرّف التي نراها في كلّ مكان".
ويضيف يوحنا: "منذ أيام قليلة، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صور لأشخاص من الإدارة الجديدة وهم يؤدّون صلاة العصر على أوتوستراد المزة. صُدمت عندما سألتني ابنتي: من هؤلاء؟ ولماذا يفعلون ذلك؟ هنا بدأت تراودني أفكار كثيرة. هل هذا يعني أننا سنتحوّل إلى دولة إسلامية؟ هل هذا هو المستقبل الذي ينتظر أطفالنا؟".
ويعبّر يوحنا عن قلقه من أن تؤدّي هذه التطورات إلى تغيير وجه سوريا الذي عرفه، ويخشى على مستقبل أطفاله مسيحياً، في ظلّ هذه الظروف. ويختتم حديثه قائلاً: "أنا خائف على سوريا، وعلى مستقبل أطفالي فيها".
وتحدّث شاهد عيان سوري، فضل عدم كشف هويته، لـ "نداء الوطن"، عن سلسلة من الهجمات التي استهدفت دور العبادة والممتلكات في مناطق مختلفة من سوريا. وبحسب شهادته، تضمّنت هذه الاعتداءات: الاعتداء على المطرانية الأرثوذكسية في حماة، تخلّله تخريب محتويات الكنيسة وتكسير الصلبان، ما يُشير إلى دوافع طائفية وراء الهجوم، وتخريب كنيسة مار جرجس، وهي كنيسة أثرية ذات قيمة تاريخية ودينية كبيرة، وتكسير محتويات محلّ لبيع المشروبات الكحولية والاعتداء بالضرب على صاحبه في اللاذقية، واللائحة تطول، حسب قوله.
أمّا مريم ن.، وهي من سكان منطقة صحنايا، ترى أن الوضع في المنطقة لم يشهد تحسّناً يذكر، على الرغم من الوعود التي تلقتها من الإدارة الجديدة. وتقول: "صحيح أننا ما زلنا نمارس طقوس الأعياد وقدّاس الأحد بشكل طبيعي، ولكن عند لبسنا القصير على سبيل المثال، نشعر بخوف ترافقه نظرات غريبة من أفراد "الهيئة" (هيئة تحرير الشام) المنتشرين في المنطقة لحفظ الأمن". ودعت مريم الإدارة الجديدة إلى الوفاء بوعودها وتحسين الوضع في المنطقة، طالبةً العيش بكرامة وأمان، وأن تتمكّن من ممارسة حياتها الطبيعية من دون قلق.
في المقابل، يرى المخرج المسرحي يوسف شموط أن الوضع العام للمسيحيين في حماة آمن ومستقرّ، وأن الحوادث التي حصلت، مثل إطلاق النار على كنيسة وإحراق جزء صغير من شجرة عيد الميلاد، هي حوادث فردية لا تعكس الواقع العام. ويؤكد أن النساء والفتيات يمارسن حياتهن بشكل طبيعي من دون أي مضايقات.
ويوضح شموط أن مدينة محردة ذات الغالبية المسيحية، لم تشهد أي حوادث، وأن الأجهزة الأمنية كانت متواجدة بشكل ملحوظ في المناسبات الدينية المسيحية لضمان سلامة الجميع.
وفي السياق نفسه، يتحدّث الفنان السوري خلدون قاروط عن وجود أمان نسبي في البلد، معتبراً أن الخروقات فيه قليلة بالنظر إلى الوضع الذي تمرّ به سوريا. ويشدّد على أهمية تحقيق الأمان الكامل، معتبراً أن ذلك سيغيّر نظرة الجميع إلى الوضع القائم بشكل جذري.
وفي معرض حديثه عن تجربته الشخصية مع الإدارة السورية الجديدة في جرمانا، أوضح قاروط أنه لم يشهد أي تغيير يذكر في نمط الحياة اليومية، حيث لا يزال لبس الفتيات على ما هو عليه، والأجواء العامة لم تشهد تبدّلاً، كما أن محلات بيع الكحول لا تزال مفتوحة وتمارس عملها كالمعتاد، وفي حماة أيضاً لم يلمس أي تغيير في نمط الحياة، حيث كانت المطاعم والأجواء العامة طبيعية. كما أشار إلى حضوره "بروفة" لعمل مسرحي، كانت الفتيات يتدرّبن خلالها بحرّية، وذلك بحضور شباب من "الهيئة".
ويرى قاروط أن الخوف لدى الناس مبرّر، معتبراً أن كلّ ما يحدث في سوريا جديد على المواطنين، من سقوط النظام السابق إلى التحوّلات السياسية. ويتوقع أن الأوضاع العامة ستشهد تحسّناً بمرور الوقت، موضحاً أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى له ضريبة، وأن ضريبة الانتقال تمثلت في بعض الأحداث الفردية التي سارعت الإدارة الجديدة إلى التعامل معها.
على الرغم من تباين الآراء حول الوضع الراهن في سوريا، يبقى تحقيق الأمن والاستقرار هو الهدف الأسمى. وبينما يرى البعض أن الخوف والقلق لا يزالان يسيطران على نفوس الكثيرين، يؤكد آخرون على وجود تحسّن نسبي في الوضع الأمني. ومع ذلك، يتفق الجميع على أن سوريا بحاجة إلى مزيد من الجهود لترسيخ قيم المواطنة والمساواة، وضمان حقوق كافة مكونات المجتمع، من دون تمييز أو إقصاء.