ينشغل الوسط اللبناني على مختلف مؤسساته، بالعمل على تأليف حكومة جديدة للعهد الجديد، عهد رئيس الجمهورية جوزف عون وعهد رئيس الوزراء نوّاف سلام. والملفت لدارسي تاريخ لبنان وتاريخ الموارنة، وتاريخ رؤساء الجمهورية اللبنانية وتأليف الحكومات وما يرافقها من إجتهادات وصراعات على الوزارات والحقائب والاشخاص والمواصفات. إن العهد الجديد كان يحمل في طياته ملامح دخول لبنان في عهد مفهوم القيادة لا في عهد مفهوم الزعامة. والفارق كبير ومهم بين المفهومين.
1- من الثابت والمؤكد ان كل رئيس للبنان ينبغي ان يلتزم بأربعة أمور أساسيّة لا يمكن ان يتراجع عنها لا هو ولا فريق عمله المتمثّل في الحكومة:
أولها: ايمانه بالوطن اللبناني والكيان والدولة والنظام بحدوده التاريخية وسيادته واستقلالية قراره الحر.
ثانيها: الإيمان بالإنسان اللبناني الحر في وطن حر.
ثالثها: الالتزام والعمل بالنصوص التأسيسية الدولية والمحلية التي تحكم الوضع اللبناني وفيها: الاعلان العميم لحقوق الانسان والمواثيق الدولية: الدستور، الميثاق، وثيقة الوفاق الوطني الارشاد الرسولي «رجاء جديد للبنان»، والتراث الفكري لميشال شيحا.
رابعها: الشرعية الدولية وكافة قرارات مجلس الأمن المتعلقة بلبنان وخاصة القرارين 1559 و1701 ذلك ان القرار 1559 هو بالنسبة للبنان قرار تأسيسي يشرعن الكيانية اللبنانية دولياً اي يقر بإعتراف اميركا وأوروبا والعالم ان لبنان الوطن والدولة هو حقيقة جغرافية وتاريخية ليس كما يزعم اعداؤه خطأً جغرافياً وتاريخياً ، أمّا القرار 1701 فهو قرار تطبيقي سياسي- عسكري يجري التعامل معه في سياق المبادىء التي أرساها القرار 1559 .
2- ان الاشكالية التي يعاني منها المكلّف بتأليف الحكومة الجديدة هي في ظاهرها مناكفات وصراعات على المناصب: نوعيّة وكميّة، لكن جوهر الاشكالية يقوم على طبيعة انتقال السلطة من يد الزعامة الى يد القيادة، من مستوى الواقع الى مستوى التوقّع ذلك ان القيادة تتميّز عادةً ودائماً بثلاثة: الوعي والثقافة والرؤية. ويستعيد المؤرخون في هذا المجال كلام المفكّر اليوناني سيوسيدس من أن الحاكم ينبغي ان تكون عيناه نظيفتين أي ان يرى صحيحاً ويرى بعيداً، فهو رجل ينظر الى الغد الى المستقبل. لذا، كان من باب المغامرة الاستمرار في اعتماد ذات المقاييس والمعايير السابقة لقيام السلطة، وأكثر من ذلك اعتماد معيارين متناقضين في ذات المسألة.
3- ان السلطة التي تقوم على الزعامة تستمد جذورها من الأصول الأبوية أو القبلية او الحزبية الضيقة او الدينية المذهبية المتزمة وهي ذات أفق محدود ومصالح ضيّقة وهي تعنى بما حصل في الماضي وما يحصل حالياً وتعمى عن رؤية المستقبل. يضاف اليه انها تفتقر الى الثقافة التي تستوعب واقع المجتمع والوطن وطريقة مواجهة الظروف المحدقة به وذلك لافتقارها الى الفكر الاستراتيجي اي الى تحديد الأهداف وبالتالي الى صياغة التكتيك المناسب لمنع وقوع الوطن والمواطنين في الصراعات والحروب بفعل تآمر الخارج وقصر نظر زعامات الداخل وتفرّقها وأنانيتها واهتمامها بمصالحها الشخصية على حساب الوطن.
4- من المؤكد والثابت لدى معظم اللبنانيين ان اطلالة العهد الجديد مع رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، كانت بشير خير وأمل ولا تزال كذلك وان كانت تمرّ في المرحلة الراهنة بامتحان صعب لمدى مصداقيتها عبر تجربة تشكيل حكومة العهد الأولى. وفي تقديرنا المتواضع ان أهداف ونوايا السيّد سلام هي شريفة ونبيلة ولكن مقاربة الموضوع والطريقة المعتمدة لم تكن موفقة وقد أثارت من المشاكل أكثر مما وضعت من حلول، وهذا عائد في الحقيقة والعمق الى اشكالية الديمقراطية في حياة لبنان واللبنانيين: بين المبدأ والممارسة.
والحقيقة الكبرى التي تخطاها السيد سلام هي ان العهد بقاعدتيه جاء بعملية قيصرية دولية – داخلية، فلماذا لم يعتمد السيد سلام هذه العملية ذاتها في تأليف الحكومة: لكان استراح وتحدّى الجميع بديل ان يصبح هو في استهداف تحدٍ من الجميع!؟
ان لدى الرئيسين عون وسلام من المناقبية الاخلاقيّة والوطنيّة ما يوحي بامكانية العودة الى الخط الصحيح: خط القيادة على أسس المبادىء التي اعلنها الرئيس عون في خطاب القسم «عهداً عليه» وعلى السلطة ولبنان الجديد. وعلى أسس التراث الأخلاقي والقانوني الذي أرساه الرئيس سلام في رئاسة المحكمة الدولية شاهداً على تاريخ لبنان في بناء حقوق الانسان والدفاع عنها.
.... إن لبنان في مرحلة تحوّل وانتقال من مفهوم الزعامة الى مفهوم القيادة . إنه بحاجة الى جرأة ومبادرة قيصرية في تشكيل الحكومة . إنه التحدي الأكبر خدمة للوطن!