بشار حيدر

المطلوب خطاب واضح للجمهور الشيعي

3 دقائق للقراءة

مع تزايد موجات الغضب الشعبي الشيعي وتكرار المواجهات مع الجيش والقوى الأمنية، أصبح من الضروري أن تقدم السلطات اللبنانية خطاباً صريحاً لهذا الجمهور، لا يكتفي برفع شعارات السيادة واحتكار السلاح الشرعي، أو ببيان وزاري لا يأتي على ذكر المقاومة.

فمساء الجمعة الفائت بدأت تتصاعد مشاهد الغضب الشيعي حين توجهت مجموعات نحو المطار لإغلاق طريقه احتجاجاً على منع السلطات اللبنانية طائرة إيرانية من الهبوط فيه. لم تعلن أسباب المنع حينها. لكن المتداول أن جهات خارجية طلبت، تحت طائلة المسؤولية، منع الطائرة من الهبوط، لأنها محملة بالأموال الإيرانية المرسلة لـ «حزب الله». إن كانت الأموال المرسلة لـ «الحزب» سبب المنع، فهي أيضاً سبب الغضب الشعبي الشيعي من قرار السلطات. فمن غير المستغرب أن يغضب هذا الجمهور الذي يرى أن دولته تمنع عنه أموالاً هو في أمسّ الحاجة لها بعد كل ما لحقه من موت ودمار وتشريد. أما وأن السلطات اللبنانية قد استجابت لمطالب خارجية في قضية منع الطائرة فهذا يجعل الوضع أسوأ بالنسبة للجمهور الشيعي. فهذا دليله على هزال خطاب السيادة الذي تتبناه السلطات الجديدة، ويكشف له أنها سيادة مزدوجة المعايير. لذا من الضروري أن تجري مكاشفة من قبل السلطات اللبنانية مع هذا الجمهور الغاضب وقواه السياسية، وأن لا يقتصر الأمر على الحديث عن الاحتضان وتضميد الجراح، خصوصاً وأن المسألة المعنية ليست مجرد حدث عابر، بل أمر قد يتكرر مراراً، على الأقل في المدى المنظور. لذا على السلطات اللبنانية أن تعلن بصراحة أنه بعد المواجهة الكارثية مع إسرائيل والتي أدت إلى القبول بشروط وقف إطلاق النار، أصبح لبنان خاضعاً لرقابة خارجية مرتبطة بقدرة الدولة اللبنانية على منع إعادة إحياء مشروع «الحزب» وسلاحه، وهذا المنع يشمل محاولة إرسال أموال من إيران إلى «الحزب».


أي أنه يجب على السلطات الجديدة الإقرار بأن سيادة لبنان اليوم منقوصة وأن الطريق الوحيدة لاستعادتها تمر عبر إنهاء مشروع سلاح «الحزب»، ليس فقط لأن وجود هذا السلاح الممول من دولة أخرى والتابع لها هو بحد ذاته انتقاص للسيادة، بل لأن إنهاء وجوده شرط لخروج البلاد من الرقابة الخارجية والتهديد الإسرائيلي. لذا فعندما تمنع السلطات طائرة ايرانية محملة بالأموال (أو بالسلاح) من الهبوط في مطار بيروت فهي بذلك تحقق شرطاً من شروط استعادة سيادتها وإن أتى هذا المنع في ظل ضغط خارجي.

بعبارة أخرى، على السلطات أن تصارح الجمهور الشيعي بأن منع هبوط الطائرة جزء من شروط الانسحاب الإسرائيلي ومنع تجدد الحرب التي، كما علمنا، لا طاقة لـ «الحزب» ولا لجمهوره عليها. المطلوب أن يدرك الشيعة الغاضبون والمحبطون خياراتهم بشكل واضح. وهي إما القبول بالشروط المفروضة والسعي لاستعادة حياتهم، مع باقي اللبنانيين، في ظلها، وإما تجدد الحرب التي قد تنتهي في أغلب الأحوال بأوضاع أصعب وشروط أقسى. ولذا من المهم أن يقال بوضوح لا لبس فيه إن ما تفعله السلطات اللبنانية اليوم هو محاولة لتفادي خيار المواجهة العسكرية غير المتكافئة مع إسرائيل، وإن المستفيد الأول من تفادي هذا الخيار هو الجمهور الغاضب نفسه.

فليست مهمة السلطات اللبنانية اليوم القيام بالدور الذي عجزت عنه المقاومة، أي التصدي بالقوة لإسرائيل ومواجهة قوى «الاستكبار العالمي». بل مهمتها الأولى منع تجدد الحرب والقبول بالشروط التي تؤدي هذه الغاية. فبدون ذلك لن تستطيع تلك السلطات البدء بإعادة الإعمار أو الشروع بكل الإصلاحات الأخرى التي انتظرت طويلاً.