مروان الأمين

"حزب الله" بين سياسة الإنكار والحقيقة

3 دقائق للقراءة

منذ انتهاء الحرب الأخيرة، بدأت تداعياتها تتكشّف تدريجياً في بنية "حزب اللّه"، حيث يبرز حجم التصدّع الداخلي مع كل استحقاق سياسي أو ميداني. تعكس مواقف "الحزب" وتصريحاته وتحرّكاته حالة من الإرباك والتخبّط في التعاطي مع الملفات السياسية والاقتصادية والتنظيمية والعسكرية. لا تقتصر التحديات التي يواجهها على بُنيته الداخلية، بل تمتدّ إلى علاقته ببيئته الشيعية، خصوصاً الفئات غير المنضوية في صفوفه أو غير المرتبطة به بشكل مباشر.


شهد نفوذ "حزب اللّه" السياسي تراجعاً ملحوظاً، خاصّة مع رضوخه للضغوط الخارجية التي أفضت إلى انتخاب الرئيس جوزاف عون، لا سيّما أنّ خطاب القسم حمل برنامجاً كاملاً لمشروع دولة يتناقض مع منطق "الدويلة"، ويُنهي دور لبنان "الساحة" لتصفية الحسابات الإقليمية.


ولاحقاً جاء تكليف الرئيس نواف سلام ليشكّل ما يشبه "الانقلاب الأبيض" على خيار "الحزب" بإعادة تكليف الرئيس نجيب ميقاتي، وهو ما انعكس في ردّة فعل غاضبة عبّر عنها النائب محمد رعد من قصر بعبدا. وإذ أقرّ الشيخ نعيم قاسم بأنّ "الحزب" احتاج إلى يومين لاستيعاب ما جرى، لكنّ الواقع أنّ ما احتاج لاستيعابه فعلياً هو فقدانه القدرة على ضبط إيقاع الحياة السياسية كما كان عليه الأمر في السابق.


بالإضافة إلى ذلك، إنّ حالة تخبّط "الحزب" على المستوى الداخلي تجلّت في محطّات متعدّدة، كان أبرزها إعلان الشيخ نعيم قاسم رفض تمديد مهلة وقف إطلاق النار حتى 18 شباط، وذلك في وقتٍ كانت فيه الموافقة قد أُقرّت قبل بثّ كلمته، وبموافقة "حزب اللّه". هذا التناقض كشف بوضوح عن وجود تيارات داخلية مُتعدّدة، حيث بدا أنّ الجهة المعنيّة بالتفاوض واتخاذ القرار لا تنسّق بالضرورة مع الشيخ قاسم.


كما جاءت التحرّكات الأخيرة على الأرض، من تسيير درّاجات نارية، إلى قطع طريق المطار عقب منع هبوط الطيران الإيراني في مطار بيروت، لتسلّط الضوء ليس فقط على التباين منها داخل "الحزب" نفسه، بل أيضاً على التباين المتزايد بين "حزب الله" وحليفه التقليدي، "حركة أمل"، في مقاربة التطوّرات السياسية والميدانية.


إلى جانب انهيار منظومته العسكرية والأمنية، وتراجع نفوذه السياسي، وتخبّطه التنظيمي، برزت أيضاً الأزمة المالية التي يعاني منها "حزب اللّه"، لا سيّما مع عجزه عن الوفاء بالتعهّدات التي أطلقها السيد حسن نصرالله بشأن إعادة الإعمار. وقد تجلّى ذلك في إحالة الشيخ نعيم قاسم مسؤولية هذا الملفّ إلى الدولة اللبنانية، ما عمّق حالة القلق والتململ داخل بيئته الشعبية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية البلدية والنيابية، الأمر الذي يزيد من الضغوط على الحزب.


وفي مواجهة هذا الإرباك، يمضي "حزب اللّه" في اعتماد نهج المكابرة وسياسة الهروب إلى الأمام. لكن كلّما أوغل في الإنكار، تتّسع الهوّة بين الطائفة الشيعيّة وسائر المكوّنات، وتغربتها عن المصلحة الوطنية الجامعة، وتتفاقم معاناتها وتطول فصول مأساتها المتوارثة من اتفاق القاهرة. وعوضاً عن مصارحة جمهوره بتبعات الخسارة الكبيرة التي مُني بها، يسعى إلى تحويل الأنظار عن أزماته عبر تصعيد خطاب التخوين ضد الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام، إلى جانب خلق عدو وهميّ، ممثلاً بـ "الدولة"، في محاولة لشدّ عصب جمهوره والتغطية على التحديات المتفاقمة، وفق معادلة: حين يربح، الربح له وحده. وحين يخسر، يُحمّل الطائفة الشيعية أعباء خسارته، ومعها كل لبنان.