جوزيفين حبشي

في الذكرى الأولى لغيابه

قاضي "10 عبيد زغار" قضى على عقلي

3 دقائق للقراءة

كان عمري أقل من 10 سنوات، يوم شاهدت مسلسل "10 عبيد زغار" على شاشة "تلفزيون لبنان" في واحدة من الإعادات. وطبعاً كنت "أموت" من الخوف، مع العلم أنّ أمي كانت تمنعنا أنا وأخوتي من مشاهدته، وتجبرنا على دخول غرفتنا لننام. لكن أنا "ومتل الشاطرة" كنت أتسلّل "على الهدا"، وأعود وأنزل تحت "الصوفا"، وأشاهد الحلقة وأسناني تصطكّ، ورُكبتاي "تسُّكان" خوفاً من أن يُمسك بي كلٌّ من أمّي بالجرم المشهود، والمجرم القاضي الذي لم يترك أحداً من شرّه في تلك الجزيرة النائية.



في تلك الفترة، كان زميلي في المدرسة، صبيّ اسمه جان، وكان بيته قرب بيتي في منطقة الرّوضة، وكنت أقصد منزله دائماً للّعب معه. و "هونيك" نهار، كنت عنده، وإذ بجرس الباب يدقّ. من سوء حظي، "ساقبتْ" أنّني كنت قربه. وما إن فتحته، حتى فُتح فمي سعة "شبْرَين"، وعيناي سعة مستديرتيْن (الصالومي والحايك معاً)… ويا عين على ما رأته عيناي في تلك اللحظة: القاضيييي!!! نعم، نعم، القاضي ما غيره، قاضي التلفزيون، قاضي "10 عبيد زغار"، بشحمه ولحمه (لضرورات التّعبير فقط، فهو كان نحيلاً) وشعره الطويل ونظّارته وغليونه وعصاه. رأيته أمامي و "كان عندي عقل وطار". صرخت بأعلى صوتي وبدأت أركض في أرجاء البيت، وجان وأمّه يركضان خلفي و "يا غافلان لكما الله"، والقاضي "مفنجر" عينيْه من الصدمة، و "أنا صريخ": "ردّوه على التلفزيون وما تخلّوه يقتلني". بعد جهد جهيد، استطاعت والدة زميلي الإمساك بي وتهدئتي، وحاولت إقناعي أنّ هذا الواقف على الباب هو شقيقها أنطوان ، يعني خال جان، ولن يقتلني.



أذكر أنها أوصلتني بعدها إلى البيت وأنا في حالة من الرعب والرجفان، وأخبرت أمي بما حصل معاتبةً "كيف بتخلّي بنت ما عمرا 10 سنين تحضر "10عبيد زغار"؟"



تلك الليلة لم أستطع النوم، وظلّت عيناي مسمّرتين على باب الغرفة، خوفاً من أن يدخل القاضي على "اللسّ" ويهمس في أذني: "بدِّك شمعة؟ هيدي شمعة"…



مرّت عشرة أعوام تقريباً على تلك الحادثة، وأصبحتُ شابة، وحان وقت دخول الجامعة، فقرّرت يومها أن أقدِّم على أكثر اختصاصَيْن أحبّهما: الصحافة والتمثيل، "واللي بنجح فيه، بدرسو". (على فكرة، نجحت بالاختصاصين، وكان عليّ الاختيار، فاخترت الصحافة)...



"حاصلو"... حان موعد الامتحان الكتابي في "معهد الفنون" في منطقة "فرن الشبّاك". دخلت قاعة ممتلئة بطلّاب مثلي. وزّعوا علينا أسئلة الامتحان وفجأة... وصل "القاضي ما غيرو"، نعم نعم، قاضي التلفزيون، قاضي "10 عبيد زغار". جاء ليراقبنا. هذه المرّة لم "يزقّ عقلي" ولا صرخت. هذه المرة "فرطت" من الضحك. أذكر أنه اقترب منّي بنظّارته وشعره الطويل، ورمقني بتلك النظرة الصارمة، وأنا "إغشى" أكثر وأكثر من الضحك. "شو اللّي عم بيضحّكك هلقد يا دوموازيل"، سألني القاضي. بصعوبة استطعت أن أجيبه: أنت.



القاضي رفع حاجبيه، "متّ من الضحك" مجدّداً. القاضي "عصّب" وطلب منّي الخروج من القاعة فوراً. عندها قلت له: "ما تذكّرتني؟"، وعندما ذكّرته بتلك الفتاة الصغيرة التي كانت تلعب قبل 10 أعوام عند ابن أخته، وكادت تفقد عقلها عندما شاهدته عند الباب، القاضي هو الذي انفجر ضحكاً "هيدي إنتي؟ كنت رح تعمليلي كريزة قلب قد ما خفتي وخوّفتيني!".



يومها سألته عن جان الذي لم يعد جارنا، فأخبرني أنه أصبح في فرنسا. ومثل هذا اليوم من سنة، أصبح القاضي في المقلب الثاني. في مثل هذا اليوم، 21 شباط 2024، رحل الأستاذ أنطوان ملتقى. الله معك أستاذ أنطوان، وأعدك إذا التقينا في المقلب الآخر، لن أموت خوفاً (لأنني سأكون أصلاً ميتة)، بل على العكس، سأذكّرك بنفسي، وسنضحك معاً مجدداً.