في زمن الشحّ الإيماني وطمع الإنسان المُتزايد واقعيّاً، كما افتراضيّاً، تأتينا أروع التّجارب السينمائيّة وأكثرها تحدّياً عبر فيلم "Conclave"، عن قصَّة أحد أكثر الأحداث سريّةً وقدماً في العالم، وهي عمليّة انتخاب الحبر الأعظم الجديد! يبدأ التحدّي حين يُكلَّف الكاردينال "لورانس" (Ralph Fiennes) بإدارة هذه العمليّة السريّة بعد الوفاة غير المتوقّعة للبابا. وبمُجرّد اجتماع أقوى قادة الكنيسة الكاثوليكية من جميع أنحاء العالم معاً في قاعات الفاتيكان، يجد "لورانس" نفسه في قلب مؤامرة ليكتشف بعدها سرّاً قد يهزّ أساس الكنيسة!
يُصوّر الفيلم معركة الخيارات بين الكرادلة اللّيبراليين ونُظَرَائهم التقليديين والتي تهدّد بشرذمة الكنيسة الكاثوليكية من الداخل ضمن فريق من الممثّلين لا مثيل له، بدءاً بالممثّل John Lithgow في دور الكاردينال المُرشَّح «ترامبلي» والذي تجاوزت محاولاته لكسب الدعم الخط الفاصل بين عدم اللياقة وتجاوز الأخلاقيّات، إلى المُمثّل Lucian Msamati في دور الأسقف الأفريقي «أدايمي» الذي قد يكون اختياره فرصة لإرسال رسالة شموليّة، رغم أن سرّاً من ماضيه قد يكون سبباً في استبعاده، وصولاً إلى المتميّز Stanley Tucci بدور الكاردينال «بيلّيني» الذي يتّسم بالصراحة في آرائه الليبرالية، وبالتالي يُخيف العديد من المؤيّدين المُحتملين. وفي الجانب الآخر من الطّيف نجد النّسخة الكاثوليكية من نار وكبريت، و Sergio Castellitto بدور الكاردينال «تيديسكو» الذي يريد إعادة اللغة اللاتينية وطرد أي شخص لا يتوافق مع أفكاره المحدودة والرّجعيّة في الكنيسة. أخيراً وليس آخراً، أبدعت Isabella Rossellini في دور الراهبة «أغنس» التي من المفترض، كما تقول، أن تكون غير مرئية لكنّها لا تستطيع إلّا أن تمتلك عيوناً وآذاناً، لأضيف ما لم تذكره الشخصيّة في الفيلم، أنها تمتلك فماً لديه فعلاً ما يستحقّ البوح به!
براعة تلقائيّة
ونجح المخرج الألماني Edward Berger، الذي قاد فيلمه الأخير «All Quiet on the Western Front» لنيل 4 جوائز «أوسكار» عام 2023، في إدارة «Conclave» ببراعةٍ تبدو تلقائيّة في واقعيّتها، مع إعطائه الأولوية لأسلوب غير مُبهرج يخدم التعديلات السّردية، مُرتكزاً على الأداءات الاستثنائيّة التي سَمَت عالياً بالمشهديّة. فهل سينجح مُجدّداً في حصد المزيد من جوائز «الأوسكار» بعد فوزه الأخير بأربع جوائز «بافتا» بارزة، هي أفضل فيلم، وأفضل فيلم بريطاني، وأفضل سيناريو مُقتبس، وأفضل مونتاج، من أصل دزينة ترشيحات؟
بما أنَّ حفل جوائز «بافتا» هو آخر أهم حفل لتوزيع الجوائز السّينمائية قبل حفل توزيع جوائز «الأوسكار» الذي سيقام في 2 آذار المُقبل (مع استثناء «السيزار» الفرنسيّة)، يعتبره الكثيرون بمثابة اختبار أخير لجوائز «الأوسكار»، حيث بقيت أبواب التّصويت مفتوحة حتّى مساء الثلثاء. لكن التّداخل الكبير بين أعضاء «الأكاديمية البريطانية»، الذين يبلغ عددهم حوالى 8000، وبين نظرائهم الأميركيّين الذين يبلغ عددهم 10000، يُمكن أن يجعل النّتائج غير مُتوّقعة لـ «Conclave» وغيره من المرشّحين خلال سهرة الأحد - الاثنين الطويلة للأوسكارات!
