لوسي بارسخيان

نجح البقاع في طمس التململ والتحشيد... ولا مشاركة من خارج "البيئة"

4 دقائق للقراءة

استعاد البقاع وطرقاته البارحة مشهدية حشد 8 آذار 2005، حين نزل جمهور ثنائي "حركة أمل – حزب الله" إلى الشارع تزامناً مع القرار الأممي الصادر بخروج جيش نظام الأسد من لبنان، ليقول "شكرا سوريا"، على الرغم من كل المحاولات التي بذلت لتخطي نتائج اصطفافات الشارع اللبناني الذي ولد منذ ذلك الحين. لم ينجح المنظمون في تحويل شهادة أمينيهم العامين، مناسبة وطنية.


لا بل ساهمت المغالاة في التحضير اللوجستي لها، بطمس كل مشاركة، ولو محدودة، من خارج بيئة الثنائي الشيعي. فكانت سقطة المنظمين بتظهير صورتها، كمناسبة فئوية، اجتاحت خلالها الرايات الصفراء طرقات البقاع بدءاً من أقصى منطقة الهرمل، لترفرف مع أعلام إيران التي تولت اللجان التنظيمية توزيعها على مواكب المشيعين. فتوحدت الرايات والصور التي رفعت، ولم يخرق العلم اللبناني المشهد، سوى في ومضات قصيرة.


بين خطوط تماس الاصطفافات السياسية التي ولدها اغتيال الرئيس رفيق الحريري منذ عشرين عاماً أيضاً، سارت مواكب تشييع الأمين العام حسن نصرالله. وبعد غابة من الرايات الصفراء التي انتشرت على طول الأوتوستراد الذي يخترق مدن بعلبك وقراها، عبرت المواكب في سعدنايل من تحت لوحة إعلانات ضخمة للرئيس رفيق الحريري مذيلة بعبارة "لبنان"، كما اجتازت في ضهر البيدر لوحات إعلانية تشكر الآلاف الذي شاركوا قبل نحو أسبوع فقط، في إحياء الذكرى العشرين لاغتياله.

أنجز جمهور البقاع التابع لـ "حزب الله" المهمة المطلوبة منه، ولبى النداء الموجه للتأكيد على "أننا على العهد باقون". هذا الشعار كتب أيضاً على السواتر التي ارتداها المنظمون، ولجانهم التي توزعت عند مفارق الطرقات، وحرصت على تقديم الدعم اللوجستي للمركبات المحملة بالمناصرين، والتي تنوعت بين سيارات، وحافلات نقل كبيرة وصغيرة قدّر المنظمون أعدادها بنحو سبعة آلاف.


على بعد أقل من كيلومترين من البلدة التي أعربت عن وفائها لدم الشهيد رفيق الحريري قبل أيام، أقام المنظمون مضافات رئيسية أيضاً، فصدحت الأناشيد الحماسية عند مستديرة جسر جلالا التي أحيطت بصور نصرالله ورفاقه الشهداء منذ تاريخ استشهادهم، وسط غابة من اللافتات الموحدة المرفوعة من قبل المنظمين، استكمالاً للجهود التي بذلت في استخراج النصر من الهزيمة.


عبرت كل المواكب بسلام وسط إجراءات احترازية اتخذها الجيش اللبناني الذي سيّر دورياته المؤللة في المناطق الحساسة خصوصاً، بالإضافة إلى انتشار القوى الأمنية عند مستديرة زحلة الرئيسية، وتأهب الفرق الإنقاذية التابعة للدفاع المدني والهيئة الصحية الإسلامية.

هذا في وقت قوبل حماس جمهور "حزب الله" بلامبالاة من مكونات المجتمع البقاعي الأخرى. مرت المواكب بدءاً من الساعة السادسة صباحاً. لم تسجل ضربة كف، ولا زحمة سير، على الرغم من تقدير المنظمين أعداد من حملتهم المواكب من البقاع بنحو 250 ألفاً.


لم يعق هؤلاء تكوّن الطبقة الجليدية في منطقة ضهر البيدر. بل بدا لافتاً الجهد الذي بذل في إبقاء الطريق سالكاً وآمناً، بالتعاون بين وزارة الأشغال والفرق اللوجستية التابعة لـ "حزب الله"، في سابقة تسجل منذ أعوام طويلة على طريق ضهر البيدر الذي تستسهل الأجهزة الرسمية إقفاله عند أولى زخات الثلج في العادة. علماً أن خط السير المتواصل للمشاركين في التشييع الذي شهدته طريق ضهر البيدر بدءاً من ليل السبت - الأحد، شكّل أيضاً عاملاً في عدم تكوّن طبقات جليدية صعبة عليه.

في الخلاصة نجح البقاع، الذي شكل دوماً خزان المقاومة، في رفد المناسبة التحشيدية أمس، وبالتالي طمس كل تململ أصاب بيئته من ثمن الحروب المتواصلة الذي يدفعه منذ عشرين عاماً، بدءاً من حرب تموز 2006، فالحرب التي كشفت قياداته في سوريا، وصولاً إلى حرب إسناد غزة التي استجرت العدوان المباشر على البيئة، فآلمتها بخسارتها الكبيرة لنصرالله. فواجه جمهور "الحزب" حقيقة استشهاده، وبقي أن يتقبل الحقائق الأخرى التي خلفتها أيضاً هذه الحرب.