فصل من رواية عمر سعيد

"من بيت الطّين إلى عنّايا": تحوّلات على حساب لبنان

8 دقائق للقراءة
تركنا المعول والرّفش في معظم أراضينا الّتي صارت مناطق عسكريّة

لا تزال الحرب اللبنانية الطويلة تلفظ من أسرارها التي تكشف عن الأسباب التي حملت لبنانيين على توجيه نيران أسلحتهم لتدمير إحدى أهم تجارب الليبرالية الإنسانية في المنطقة العربية. يكشف الروائي عمر سعيد، في ما يشبه المذكّرات غير السياسية، ضمن روايته "من بيت الطّين إلى عنّايا" الصادرة عن "دار سائر المشرق"، عن التحوّلات التي شهدتها المناطق اللبنانية، ابتداءً من مطلع السبعينات وجعلتها تؤخذ بالموجة المؤيّدة للكفاح الفلسطيني المسلّح، ولو على حساب لبنان، وأنماط العيش فيه.


إذا كانت مذكّرات السياسيين تحفل بالأسرار والمداولات التي أفضت إلى اندلاع المعارك، فإن مذكّرات المثقفين والمفكّرين تلقي الضوء على القش الذي أتت عليه النيران، بلغة راقية تشدّد على أهمية الارتقاء إلى قبول الآخر والحقائق الصعبة، وفيها الكثير من المعاني والرسائل والمؤشّرات والمدلولات.

أيّام كانت تل أبيب في إسرائيل، ولم تكن في فلسطين، كان أهلي يعلّمونني أنّ قتل الوطن انتصار، وأنّ حياتي تنبعث من ذبح أخي.


أذكر أنّي حملت السّلاح، ووضعت عيني على زحلة وسيّدتها، أريد اقتلاعهما من قلب الوطن. يومها كان المسيحيّون من كفّار قريش، وكنت وأهلي من الأنصار. لم أكن أعرف أيّامها أنّي أحقن بمحلول الكراهية، وأنّه يجري استبدال الدّفء في شراييني بالحقد البارد.


ذات ليلة زارني شيخ، لم أكن أعرف له صورة، ولا رمزاً، كلّ الّذي حصل أنّي رأيته يقف أمامي، نزع السّلاح من كفّي، وطوّق عنقي بإشارة، ثمّ ضغط بأصابعه على جبيني، وقال "عُدْ إلى الحياة".


زيارة الأبونا



كنت ليلتها في بغداد، في مكتبة عامة وقد غفوت على كتاب كنت أقرؤه. لذا أفقت أفتّش عن السّلاح الّذي اختفى من مخيّلتي وذاكرتي. قمت بعدها بأولى زياراتي إلى كنيسة مريم. وقفت في باحتها وحدي.



كان العراق يومها قد فتح الفضاء لرنين أجراسها الّذي كان يلامس جوف السّماء. أطلت وقوفي فيها صامتاً، إلى أن اقشعر جسدي، وقد لامست كفٌّ ظهري. اِلتفتُّ غير جفلٍ إلى الخلف. كان الأبونا بثوبه الأسود، وهدوئه الألق.

اخترقتني نظرته العميقة، وقد سألني: كيف أساعدك؟!



ثمّ اقتادني بكفّه إلى حيث جلسنا فوق عتبة باب حجريّة.

قلت وأنا ساهمٌ:

- أريد أن أعترف.

- هيا بنا.

- هنا.



فالتزم الصّمت، وألقى برأسه على ساعديه، الّتي تشابكت أصابع كفيهما أمام ركبتيه، يخفي وجهه بينهما.

- إنّي أكرهك... وعليّ أن أقتلك أنت ومن يشبهك.

- أسمعك.



- تعبتُ من مطاردتكم في داخلي... وكلّما دنوتُ منكم أجدكم داخلي.

- أتريدني أن أبتعد، لتتمكّن ممّا تريد؟



فتحشرج صوتي وأنا أقول: "لم يدنُ منّي أحد كما فعلتَ أنت".

اِستقام بصدره. دسَّ ذراعه بين ظهري والباب، وطوّقني من كتفي. نزلت برأسي على ركبتيّ، وأجهشتُ بالبكاء. فسمعتُه يهمس:

- لقد غفرتَ لنفسك.



[...] كنت أقول له: نحن لا نرث عن آبائنا الجينات البيولوجيّة فقط، بل نرث إلى جانبها الكثير الكثير ممّا لا نعرفه إلّا حين نريد التّنازل عنه. فكما ورثتُ عن أبي تجعّدات شعري، وبحّة الصّوت، وتلك الشّامة فوق سرّتي، ورثت عنْه بيئة ومجتمعاً يعتقدان أنّي جزءٌ من ممتلكاتهما، كما ورثت عنه محبّة من يحبّه وكراهية من يكرهه.



كنت إلى جانبه وهو يملأ السّريجة بالتّراب وقد ثبتّ رسن الحمارة إلى جذع شجرة كرز برّيّة، تلك الّتي نسمّيها عجرم، هناك عند سفح الجبل الّذي يطلّ على مغارة كانت تأوي مسلّحين، من أولئك الّذين لم يتركوا جحراً في محيطنا إلّا وسكنوه.



دوّى صوت الرّصاص، فانتصب من احديدابه أثناء نكش التّراب بالمعول. أدرنا وجهَينا صوب مصدر الرّصاص، لنجد عدداً منهم فوق سطح المغارة، كما لو أنّهم ينشدون دفء شمس الرّبيع.

حين لمعت مرآة بيد أحدهم، كان الوقت ضحى، ونحن على سفح جبل شرقيّ هوى إلى حيث كهفهم. أدرت وجهي هرباً من لمعانها، فإذ بي أرى الحمارة، قد تمدّدت أرضاً.



للحظة ظننتها تعبت من الوقوف، فنزلت تتمدّد قليلاً، انتابنا الذّعر من همّ النّهوض بها، بعد أن باتت السّريجة فوقها شبه ممتلئة بالتّراب. غير أنّ آثار الدَّم تحت أذنها اليسرى لفتت انتباهي، نبّهته إلى ذلك! فألقى بالمعول، خطا صوبها، عندها أدركنا سبب إطلاق الرّصاص.




مغارة الفدائيّة

راح يتدحرج من السّفح كدبّ الباندا، يريد بلوغ المسلّحين المتواجدين فوق سقف المغارة الّتي ظلّت تعرف، وإلى اليوم، بـ "مغارة الفدائيّة". تلك التّسمية الّتي تسبّبت لي بكثير من الجدل والاشتباك الفكريّ واللّفظي، فكلّما رفضت الاعتراف بتسميتها، كالوني في ظهري تقريراً يتّهمني بالعمالة.



تأمّلهم حين بات على مسافة أمتار، فوجد معظمهم يدخّن السّجائر، وقد استندوا في تمدّدهم إلى أكواعهم، أحدهم حشر تحت إبطه حذاء؛ يستند إليه، وآخر تأبّط خوذة، وغيرهما اتّكأ على حجر ناعم الملمس، فيما أقعى آخرون، يشكّلون دائرة مفتوحة.



كانوا يعلمون سبب نزوله، أو لعلّهم تعمّدوا الإتيان به إليهم، فقد عُرف ببدانته المترهّلة، وبمشيته الّتي تميّزه عن بُعد مئات الأمتار.

دنا منهم، فالتزموا الصّمت والهدوء، فيما ظلّ هو يتمايل في سيره كدبّ الباندا؛ ذاك الّذي يتسلّق العلو نفسه، ثمّ يسقط، ثمّ يتسلّق، دون أن يفضي به الأمر إلى أيّ قمّة.



ألقى التّحية عن بُعد أمتار، وقد ضمّنها كلمة رفاق. سألهم عن الّذي أطلق النّار، فأجابه أحدهم أنّه كان يصوّب على أعلى أذن الحمارة، لكنّها حرّكت رأسها، فأصيبت بالخطأ، وبالتّالي لم يكن الأمر متعمّداً، ويمكن اعتبار موتها قضاءً وقدراً. فردّد على سذاجته "لا حول ولا قوّة إلّا باللّه؛ ونعم باللّه".

ثمّ أكمل أحدهم متهكّما "الفاتحة إلى روح حمارة الرّفيق". تعالى الضّحك من غالبيتهم، لكنّه فتح كفَّيه، وأغمض عينيه، وغاص في قراءة الفاتحة.



بعدها راحوا يسألونه عمّا كان يفعل في الأعلى، فأخبرهم أنّه كان يملأ السّريجة بالتّراب البكر، ليضعه في حاكورته الّتي يفوش على سطحها الصّخر، وتكاد لا تنبت زرعاً. وعندما أبدى حيرته بين أمر العودة غير المجدية إلى حمارته الّتي ظلّت ترقد تحت السّريجة المليئة بالتّراب، وبين الذّهاب إلى بيته، نصحوه بالعودة إلى بيته، خاصّة أنّه كان يعمل داخل منطقة عسكريّة. أعطوه كلاشنكوف وجعبة مليئة بالذّخائر، وقدّموا له بسطاراً أسود؛ يبصّ كجلد الحنش على حدّ تعبيره. وعاد إلى بيته من غير حمارته، أو السّريجة، وما عاد يحتاج في حديقة بيته إلى ذلك التّراب الّذي كان يعبّئه، وقد صارت موقفاً لسيّارة عسكريّة.




من رعاة إلى قتلة

تكفّلت البندقيّة بتحويلنا من رعاة ماشية، وفلّاحين إلى قتلة.

كنّا قبلها نحصي كلّ أنواع الأعشاب والنّباتات البريّة، ونعرف مواسم نموّها، وفوائد معظمها في خدمة أجسادنا وحياتنا كفلّاحين ورعاة.



كانت أجرِبة رُعاتنا لا تخلو من أيّ من الفاكهة والنّباتات البرية الّتي يحملونها معهم في طريق عودتهم إلى المُرح كلّ مساء، وكذلك كانت زواويد أهلنا الفلّاحين ترجع في العشايا متخمة بالأعشاب الّتي نقتات عليها، ونتسامر بها معظم أيّام السّنة.



كانت صواني ضيافتنا أشبه بلوحات فنيّة بسيطة، تزيّنها ألوان الأعشاب الّتي تشكّلت فوقها إمّا طبخاً، أو سلطات، أو شراباً ساخناً، أو على شكل صحون خضار.


تخلّينا جميعنا عن حسابات البواحير، ومواعيد الثّلوج والأمطار، ومعرفة قابلية أراضينا لمواسم الزّراعة، وانشغلنا بتنظيف البنادق، وتزييتها، وإحصاء عدد ما نمتلك من طلقات، ورسم خططنا الوهميّة لقتل أهلنا وإخوتنا ومن نحب.

تركنا المعول والرّفش إلى جانب الحمارة والسّريجة في معظم أراضينا الّتي صارت مناطق عسكريّة لمسلحين أتوا من خارج الحدود.



استبدلنا المحاريث والمعاول والرّفوش ومشذّبات الأغصان، وكلّ ما كان يربطنا بأرضنا. استبدلناها بالبنادق الّتي سُلّمت إلينا، ورحنا نُنَظّر في علاقة الجغرافيا بالسّلاح.

فبارت أرضنا وأرواحنا، وتصحّرت عقولنا الّتي ما عادت تفهم إلّا لغة السّلاح، وتبدّلت كلّ علاقاتنا الودودة.


تحوّل أبي إلى محلّل سياسيّ، وكلّما سألته أمّي عمّا يجري، اتّخذ جلسة المفكّر، وعقد حاجبيه، واستحضر نبرته الهادئة، وراح يشرح، ويحلّل لها علاقات معسكر الشّرق بمعسكر الغرب، وعن السّلاح النّووي، والغوّاصات، والاتّفاقيّات الّتي لا تحصى. لتقوم أمّي بدورها في ساعات العصر بالشّرح والتّحليل لنساء الحارة والحي. حتّى استاء بعض الأزواج ممّا يحصل، فأتى يطالب أبي بإسكات أمّي، ولجمها.



وامتلأت جدران بيوتنا بصور قادة لا يعرف أيٌّ منا أسماء أصحابها، ولا لمَ تسلّقت صورهم تلك الجدران؟!

حلّ منظر الكلاشنكوف في زاوية الصّالون، وقذائف المدفعية الفارغة عن جانبي الباب من الدّاخل محلّ سلال وأطباق القش، وشمائل سنابل القمح المجفّفة، تلك الّتي كانت تزيّن جدران بيوتنا وزوايا غرفها البسيطة.