في الذكرى الثالثة للحرب بين روسيا وأوكرانيا، تجد كييف نفسها في وضع معقد بعد التحوّل المفاجئ في السياسة الأميركية، خصوصاً مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. برزت في الأسابيع الأخيرة، مؤشرات تشي بتدهور العلاقات بين واشنطن وكييف، وصفته مصادر متابعة بالفتور غير المسبوق في الدعم الأميركي لأوكرانيا. في المقابل، شهدت العلاقات الأميركية - الروسية تحسّناً، تجلّى في المحادثات التي جرت في الرياض، والتي أُقصيت عنها أوكرانيا بشكل مثير للريبة. هذا التغيير، الذي وصفه المراقبون بالـ "صادم"، يضع مستقبل أوكرانيا على المحك ويهدّد بتغيير موازين القوى في شرق أوروبا لمصلحة روسيا على حساب أوكرانيا.
في هذا السياق، وفي حوار مع "نداء الوطن"، قال محرر شؤون أوكرانيا في "المجلس الأطلسي" بيتر ديكنسون إن "أوكرانيا أظهرت مقاومة استثنائية منذ الغزو الروسي الشامل في عام 2022... والجيش الروسي لم يتمكّن من التقدّم سوى نحو 50 كيلومتراً من مواقعه الأصلية، ما يعكس صلابة الدفاعات الأوكرانية". وأضاف أن "المجتمع الأوكراني أظهر مرونة مذهلة، حيث استمرّت الخدمات الأساسية في العمل، حتى في المناطق القريبة من خطوط القتال". لكنه رأى أنه "رغم هذه النجاحات، يبقى أن التحدّي الرئيسي الذي يواجه أوكرانيا حالياً، هو ضمان الدعم الدولي الطويل الأمد وتأمين ضمانات أمنية تحول دون أي عدوان روسي مستقبلي"، معتبراً أن "إقناع القادة الغربيين، ولا سيّما الرئيس ترامب، بالالتزام بأمن أوكرانيا، يُمثل جهداً دبلوماسياً بالغ الأهمية".
ترامب يُريد السلام وليس العدالة
أمّا في ما يتعلّق بالمحادثات الأميركية - الروسية التي جرت في الرياض، فقد اتفق الجانبان على تشكيل فرق عمل متخصّصة للبدء في إيجاد حل سريع للأزمة الأوكرانية. كما تم الاتفاق على اتخاذ خطوات لتهيئة الظروف لاستئناف التعاون الثنائي بشكل كامل، بما في ذلك إزالة القيود المفروضة على عمل السفارات.
حول هذا الموضوع، أوضح ديكنسون أنه في الصورة الأشمل، من المنطقي الحديث عمّا نراه، وهو أن ترامب يسعى إلى إنهاء الحرب، لكنه لا يبدو مهتماً بتحقيق العدالة. فهو "يريد السلام، وليس العدالة". ترامب لا تعنيه محاسبة روسيا على جرائم الحرب، بل يسعى فقط إلى إنهاء النزاع مهما كانت التكاليف. لذلك، يحض كييف على تقديم تنازلات إقليمية وقبول شروط سلام غير مواتية.
كما يسعى إلى تجنيب روسيا الانتقادات الموجّهة إليها، وتجنّب أي مواجهة، والتركيز حصراً على إنهاء الحرب، حتى لو كان ذلك "على حساب العدالة". ولا يرغب في استمرار الحديث عن ملاحقة روسيا في جرائم حرب متهمة بها. ولفت ديكنسون إلى أن ترامب يمنح الأولوية لتحسين العلاقات الأميركية - الروسية، من دون أي اعتبار لمواقف أوروبا أو أوكرانيا.
التمسك بالدعم الدولي
مع أن الأوكرانيين يريدون أيضاً إنهاء الحرب، إذ إنهم مستنزفون تماماً، يبقى الأهمّ بالنسبة إليهم، ضمان أمنهم في المستقبل. فهم بحاجة إلى التأكد من أن هذا الصراع لن يتكرّر، مع إدراكهم أنهم قد لا يتمكّنون من استعادة كلّ الأراضي التي احتلّتها روسيا. مع علم أوكرانيا أن بوتين لن يُحاكم أمام المحكمة الجنائية الدولية، وأن روسيا لن تتحمّل المسؤولية عن الجرائم التي ارتكبتها.
"في النهاية، تظلّ الحقيقة الأهمّ أن أوكرانيا بحاجة إلى دعم دولي قوي. وإذا جاء أي اتفاق سلام من دون إدانة صريحة لروسيا أو من دون الاعتراف الكامل بسيادة أوكرانيا على أراضيها، فإنه سيُضعف هذا الدعم. لذا، من المرجّح أن تسعى أوكرانيا إلى إدخال تعديلات على أي اتفاق، ولغة أكثر صرامة في المحافل الدبلوماسية، لضمان الاعتراف بسلامة أراضيها وحمايتها"، وفق ديكنسون.
دور السعودية والإمارات
وتوجّه ديكنسون إلى الدول العربية قائلاً: "لا تدعوا روسيا تنتصر، وإلّا سيُصبح العالم مكاناً أقلّ استقراراً". وأشاد بالدور الرئيسي الذي لعبه الشرق الأوسط والعالم العربي، خصوصاً على الصعيد الدبلوماسي والتواصل بين الأطراف.
فروسيا وأوكرانيا لا تتواصلان مباشرة، ويبدو أنهما لم تفعلا ذلك منذ سنوات عديدة. لذلك، كان هناك وسطاء من المنطقة، حيث شاركت كلّ من المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر في المفاوضات المتعلّقة بتبادل الأسرى وإعادة الأطفال الأوكرانيين الذين نُقلوا إلى روسيا. وأشار إلى أن هذه الدول أدّت دوراً إنسانياً بالغ الأهمية في الساحة الدبلوماسية. واليوم، تُعقد محادثات بين أميركا وروسيا في السعودية ضمن هذا الإطار الدبلوماسي.
وأضاف ديكنسون أن الدور الأكبر الذي يمكن أن تلعبه دول عربية مستقبلاً، قد يكون في إعادة إعمار أوكرانيا بعد انتهاء الحرب. فأوكرانيا تُعتبر واحدة من أكبر المنتجين الزراعيين في العالم، ولن يكون مفاجئاً أن نرى دولاً مثل السعودية والإمارات، تستثمر بشكل كبير في أوكرانيا، ولا سيّما في مجالات الأمن الغذائي والتنمية الزراعية. ورأى أن الشرق الأوسط والعالم العربي سيكون لهما دور مهمّ في مرحلة ما بعد الحرب، بمجرّد الوصول إلى تلك المرحلة.
في فترة ما بعد الحرب، ستكون هناك حاجة لإعادة الإعمار والمساءلة وإعادة التقويم الجيوسياسي. وإذا حدثت تسوية عن طريق التفاوض، فلا بدّ أن تكون تسوية تضمن الاستقرار الطويل الأجل، وليس مجرّد وقف موَقت لإطلاق النار. للعالم، بما في ذلك مناطق مثل الشرق الأوسط، دور يلعبه في تشكيل شكل هذا المستقبل، سواء من خلال الضغط الدبلوماسي أو الدعم الاقتصادي لإعادة البناء أو وضع سوابق قانونية لمحاسبة المعتدين.
وإن كان هناك أي إمكانية لحل تفاوضي بين البلدَين، أم سيظلّان أعداء في المستقبل المنظور، أجاب ديكنسون: "يبدو من غير المرجّح تحقيق سلام دائم في المستقبل القريب. وحتى لو تم التوقيع على اتفاق سلام، فإن الاستياء العميق سيستمرّ، إذ يرى الأوكرانيون أن تصرّفات روسيا ليست جريمة حرب فحسب، بل إنها أيضاً خيانة عميقة، نظراً لعلاقاتهم التاريخية"، معتبراً أنه "قد يستغرق الأمر جيلاً أو جيلين قبل أن يتم تطبيع العلاقات. إذا كان العالم يقدّر الاستقرار والأمن وسيادة القانون، فإن دعم أوكرانيا يصب في مصلحة الجميع".