يبدو أن الجنوب السوري بات ساحة مستباحة للجيش الإسرائيلي الذي يمضي قدماً في توغّلاته واستهدافاته لمواقع عدة فيه منذ سقوط النظام السوري البائِد وفرار أسده إلى روسيا، مستغلّاً انشغال السلطة السورية الوليدة بملفات عدّة تثقل كاهلها، وعدم اهتمام دمشق بخوض غمار حرب مع حكومة إسرائيلية يمينيّة متطرّفة، وهي تعي حجم الاختلال الكبير في موازين القوى بين آلة الحرب العسكرية الإسرائيلية، وقدرات الجيش السوري الناشئ على أنقاض جيش صُوَري مترهّل لم يكن يقوى سوى على مواطنيه السوريين في سنواته الأخيرة.
وإذا كان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، جزم بأنه لن يسمح لقوات "هيئة تحرير الشام" أو الجيش السوري بدخول الأراضي السورية الواقعة في جنوب دمشق، معبّراً عن "عاطفة جيّاشة" حيال دروز السويداء بقوله إن إسرائيل لن تتوانى عن حمايتهم من أي تهديد، فإن وزير دفاعه يسرائيل كاتس ذهب أبعد منه بتأكيده أن تل أبيب لن تسمح بتحويل جنوب سوريا إلى جنوب لبنان، وأن الهدف هو نزع السلاح من الجنوب السوري.
"دويلات" صغيرة لا تكنّ عداءً كبيراً
الواضح أن الدولة العبرية التي تلقّت صفعة تاريخية في هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأوّل، تتخوّف من حكم الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وتعتبر أن "الجولاني السابق" نزع عنه في الظاهر بزّته العسكرية السلفية، وترتاب من أن يتخلّى في المستقبل عن ربطة عنقه التي يحرص على الظهور فيها لتلميع صورته، وبالتالي تتوجّس من انطلاق عمليات عسكرية على أراضيها من الجنوب السوري المتاخم لحدودها.
وإذا كان البعض يضع الغارات الإسرائيلية على جنوب سوريا في خانة الردّ على مقرّرات "مؤتمر الحوار الوطني" الذي التأم في دمشق الأسبوع الماضي وطالب بإخراج الاحتلال الإسرائيلي من سوريا، في أوّل موقف صريح للسلطة السورية الجديدة تجاه إسرائيل، فإن البعض الآخر يرى أن الغارات تخفي في طيّاتها مسعى لإقامة "دويلات" معيّنة في الجنوب السوري في ظلّ المتغيّرات في المنطقة، ويربط هذا البعض الأمر بالسماح لدروز سوريا بالدخول والعمل في إسرائيل، في خطوة لا تُعدّ بريئة من جانب تل أبيب، التي يطيب لها رؤية "دويلات" صغيرة على حدودها لا تكنّ لها عداءً كبيراً.
طبقة دفاع متقدّمة عن مستوطنات الجولان
الأقلام العبرية تناولت في الأيام الأخيرة التطوّرات في الجنوب السوري، وفيما انتقد بعض الكتاب التدخّلات الإسرائيلية هناك، أشاد آخرون بها واعتبروها حاجة حيوية لحماية مستوطنات الجولان.
الكاتبان عاموس يادلين وأودي أفينتال اعتبرا في قناة N12 أن الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي السورية في منطقة فاصلة في جبل الشيخ خطأ يعرقل تسوية العلاقات مع النظام في دمشق. وأضافا أن هذا الوجود لا يخدم حاجة أمنية دفاعية حيوية، وتعتبره سوريا والدول العربية التباشير الأولى للنيات التوسّعية الإسرائيلية، وهو يحوّل الأنظار إلى مسألة مرتفعات الجولان، ويمنع تطبيق اتفاقات فصل القوات الموقّعة بين البلدين عام 1974، والتي يلتزم بها النظام الجديد في سوريا. وختما أن النظام الملتزم إبعاد إيران عن الدولة، والذي سيكون مشغولاً بإعادة الإعمار، غير معنيّ بالدخول في مواجهة مع إسرائيل، ويعتبر العودة إلى تطبيق اتفاق فصل القوات إنجازاً.
الصحافي إيهود يعاري رأى للقناة عينها أن الدروز المنقسمين إلى فصائل مسلّحة مختلفة، لا يسمحون لأنصار الشرع بالدخول إلى مناطقهم، وأيضاً لا تروق لهم تصريحات نتنياهو العلنية ودعمه لهم، معتبراً أنه يجب التصرّف بحذر في هذا الموضوع، أي "أن نفعل أكثر ونتحدّث أقل".
في المقابل، الصحافي رون بن يشاي كتب في "يديعوت أحرونوت" أنه بالنسبة إلى هضبة الجولان، فإن القوات الإسرائيلية التي دخلت إلى المنطقة الفاصلة، وانتشرت فيها تشكل طبقة الدفاع المتقدّمة عن مستوطنات الجولان. وأضاف أن نتنياهو يطالب بنزع السلاح من الجولان السوري إلى الحدود مع الأردن جنوباً وشرقاً حتى المعبر نحو السويداء. واعتبر الصحافي الإسرائيلي أن "هيئة تحرير الشام" تهدّد أبناء الطائفة الدرزية في السويداء، وحالياً يحاول الشرع تهدئة الدروز وإشراكهم في نظامه، لكنهم أقلية تختلف عن السلفيين الذين يشكلون "هيئة تحرير الشام"، لذلك هم يشعرون بالتهديد ومن مصلحة إسرائيل الدفاع عنهم.