ألوف بن - "هآرتس"

إسرائيل تتغلّف بأربعة أسوار انهارت في ساعة الاختبار

4 دقائق للقراءة
تظاهرة للمطالبة باستمرار "اتفاق غزة" والإفراج عن الرهائن في تل أبيب اليوم (رويترز)

كتب ألوف بن مقالاً اليوم في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية بعنوان "تحت غطاء درع نفسي تغلّفت إسرائيل بأربعة أسوار انهارت في ساعة الاختبار"، جاء فيه:


تستعرض تحقيقات شعبة الاستخبارات العسكرية و"الشاباك" حول الفشل في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل، إعدادات "حماس" للحرب والعمى والانغلاق في الطرف الإسرائيلي، فهي توفر إطلالة نادرة على إجراءات العمل في جهاز الاستخبارات، كما أنها تكشف الخلافات الداخلية في موضوع مواجهة "حماس"، إذ أظهرت الاستخبارات العسكرية ثقة كبيرة بالنفس، بينما حذر "الشاباك" من ازدياد قوة "حماس" وطرح اغتيال كبار قادتها في عملية وقائية.


ولكن، على الرغم من الاختلافات في المقاربة بينهما، ارتكب الجهازان الخطأ عينه، فقد أضاعا فرصة اتّخاذ "حماس" قرار مهاجمة إسرائيل وحدها من قطاع غزة من دون انتظار الشركاء في محور المقاومة وعلى رأسهم "حزب الله". هذه كانت نقطة الحسم لرئيس "حماس" يحيى السنوار في الطريق إلى الحرب، الأمر الذي اختفى كلياً من أمام ناظري شعبة الاستخبارات "أمان" و"الشاباك"، فقد فشلا في جمع المعلومات عندما لم يعرفا ما يحدث في قيادة العدو، وفشلا أيضاً في التحقيق عندما لم ينجحا في تصوّر هجوم على طول الجبهة وبصورة مفاجئة كلياً، ولم يتساءلا هل التهدئة النسبية على الحدود تعكس خداعاً استراتيجياً من قِبل "حماس" استهدف تخدير إسرائيل.


وافق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ورئيسا الحكومة السابقان نفتالي بينيت ويائير لابيد، على التقديرات الاستخباراتية التي أفادت بأن الهجوم محتمل. أتباع نتنياهو الأغبياء يعرضونه كعبقري استراتيجي فريد من نوعه، ويقدّمون قلقه العميق وحذره الزائد كبوليصة التأمين الوطنية. يبدو أن هذا هو أساس الدفاع عن نتنياهو، الذي يقول إنه لو أنهم أيقظوه في الليلة التي سبقت هجوم "حماس"، لكان أرسل كلّ الجيش إلى المنطقة ومنع المذبحة في بلدات الغلاف وفي مواقع الجيش الإسرائيلي. هذه الرواية غير مقنعة، لأنه في الهجوم الذي سبق الحرب، حتى في الساعات التي كان فيها مستيقظاً، لم يطلب نتنياهو من الاستخبارات إعادة النظر في التقديرات. حسب معرفتنا، لم يسأل: ماذا لو كنتم مخطئين والسنوار يخدعنا بالتهدئة، في وقت يخطط فيه لتجسيد ميثاق "حماس" وشنّ حرب تدميرية ضدّ إسرائيل؟


لم يعرض نتنياهو حتى الآن روايته  على الجمهور، حيث اكتفى بالتنصل من المسؤولية عن الكارثة وإلقاء التهمة على الخاضعين له، لكن من السهل فهم لماذا لم يناقش تقديرات الاستخبارات قبل الحرب، التي قلّلت من شدّة الخطر القادم من غزة، إذ إنها أيّدت سياسته، التي اعتبرت "حماس" حليفة. بالنسبة إلى نتنياهو، التهديد الرئيسي لإسرائيل كان وما زال إكراهها دولياً على إقامة دولة فلسطينية، وهو يخشى من دعم المجتمع الدولي للسلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس. سيطرة "حماس"، العدو اللدود لعباس، في قطاع غزة، بدت لنتنياهو كسور دفاع دبلوماسي أمام تقسيم البلاد بثمن مقبول، تمثل بتبادل اللكمات بين الحين والآخر واستثمارات كبيرة في التحصين.


مكّن التمويل القطري لـ "حماس"، نتنياهو، من مواصلة هذه السياسة. لقد وضع جانباً تحذيرات "الشاباك" ووزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان من إساءة استخدام "حماس" لحقائب الأموال لزيادة قوتها العسكرية. رفض نتنياهو أيضاً كلّ الاقتراحات للقيام بهجوم وقائي في القطاع، التي اعتبرها مخاطرة مبالغ فيها، فقد استهدف الرأي العام في إسرائيل الذي يحب التهدئة والهدوء وتعامل مع الفلسطينيين كـ "شوكة في المؤخرة"، على حد تعبير بينيت، إذ اعتبرهم جيران غير لطيفين يسبّبون الازعاج بين حين وآخر، لكنهم لا يزعجون احتفالات الـ "هاي تيك" والعقارات في تل أبيب أو الانقلاب النظامي الذي ينفّذه اليمين.


هكذا، غلّفت إسرائيل نفسها في السنوات التي سبقت 7 تشرين الأوّل بأربعة أسوار انهارت في لحظة الاختبار. وَثِقت الاستخبارات بالحماية التكنولوجية لوسائل جمع المعلومات المتقدّمة، التي وفرت لها الإنذار. ووَثِق الجيش بسور الدفاع وجهاز الرقابة وإطلاق النار بأن تخيف العدو وتفشل أي محاولة لاختراق الحدود. اعتمد نتنياهو على أموال قطر ووثق بأنها ستشتري له الهدوء. وقامت كل تلك الأسوار على مدماك الحماية النفسية، إذ، ببساطة، لم يتخيّل الإسرائيليون أن الفلسطينيين يمكنهم تخطيط هجوم معقد بهذا القدر وتنفيذه. السنوار وشركاؤه فقط استطاعوا حلّ لغز ثقة إسرائيل بالنفس ونجحوا في اختراق الأسوار الأربعة من دون أن تطلق الاستخبارات أي تحذير.