جنى جبّور

بين قلق الأهل ومصلحة الطفل

الحضانة... استثمروا في مستقبل أطفالكم

6 دقائق للقراءة
تهيّئ الحضانة الطفل ليصبح متعلماً، نشطاً، متواصلاً، فعالاً، ومستقلاً

لحظة فاصلة، قرار يهزّ كيان الأسرة، وشرارة بداية جديدة لعالم الطفل. هل هو وداع موقت؟ أم خطوة جريئة نحو الاستقلالية؟ إنها الحضانة، تلك المرحلة التي تتصارع فيها مشاعر الأهل بين الخوف والقلق، وبين الأمل والتفاؤل. فما بين دموع الانفصال وضحكات اللعب، يتشكل مستقبل الطفل، وتُبنى شخصيته. فهل هي ضرورة حتمية أم رفاهية لا داعي لها؟ دعونا نغوص في أعماق هذه التجربة، ونستكشف تأثيرها على حياة أطفالنا.

مع انتهاء فترة إجازة الأمومة للمرأة العاملة، وفي ظل غياب الدعم العائلي، يواجه الأهل معضلة البحث عن الحضانة. يترافق هذا القرار مع مشاعر قلق وحيرة، خصوصاً وأن معظم الخبراء يؤكدون أهمية بقاء الطفل في حضن والديه حتى بلوغه عامه الأول. إلا أنّ "الحضانة ليست مجرد مكان لرعاية الطفل فحسب، بل بيئة تعليمية تساعده على الاستكشاف والتعلم من خلال التفاعل مع العالم من حوله"، تقول حاضنة الأطفال منذ أكثر من 27 سنة والمسؤولة عن إحدى الحاضنات في المتن أنج خليل.


بين أطفال الحضانة... والمنزل


لعل ما يؤكد كلامها هذا هو الفروقات الواضحة التي يمكن ملاحظتها بين الأطفال الذين يلتحقون بالحضانة والذين يبقون في البيت؛ بحسبها، تُفَسر هذه الاختلافات من خلال عوامل متنوعة. أولاً، من الناحية الاجتماعية نلحظ أن الأطفال في الحضانة أكثر قدرة على التفاعل مع أقرانهم وتعلم مهارات اجتماعية مثل المشاركة، التعاون، وحل المشكلات؛ بينما يقل التفاعل الاجتماعي للأطفال الذين يبقون في المنزل، خصوصاً مع عدم وجود أشقاء أو فرص للتواصل مع أطفال آخرين. ثانياً، في ما يتعلق بالجانبين اللغوي والمعرفي، يحظى أطفال الحضانة بفرص أكبر للتعرض لمحفزات لغوية وتعليمية، مما يعزز نموهم اللغوي والإدراكي بشكل أسرع.


في حين يتأثر المستوى اللغوي لأطفال المنزل بشكل كبير بمدى تفاعل الأهل معهم؛ فإذا كان الأهل نشطين في القراءة والتحدث مع الطفل، يمكن أن يتلاشى الفرق. أخيراً، من ناحية الروتين والانضباط، يكتسب أطفال الحضانة القدرة على اتباع الجداول الزمنية والروتين، مما يساعدهم في التأقلم مع نظام المدرسة. بينما يتمتع الأطفال في المنزل بحرية أكبر، وقد يواجهون تحديات في الالتزام بالروتين المدرسي".


أنشطة ذهبية


إذاً، تتميز الحضانة بكونها مصدراً للفوائد القيّمة للأطفال، حيث تُوفر بيئة مُحفّزة للتفاعل الاجتماعي والتعلم المُبكر. وتُساهم الأنشطة اليومية في تطوير مهارات الطفل الحركية (الكبرى والدقيقة) والمعرفية، وتعزيز نموه الاجتماعي والعاطفي بشكل ملحوظ. وتشرح خليل تفاصيل هذه الأنشطة قائلةً:"يساهم الجري والقفز والتسلق في تعزيز قوة العضلات الكبيرة وتحسين التوازن والتناسق الحركي. بينما يعزز الرقص واللعب بالكرة القدرة على التحكم في الحركات.


أمّا التلوين، واللعب بالصلصال، واستخدام المقص فهي أنشطة تطور العضلات الدقيقة في اليد، مما يسهل على الطفل تعلم الكتابة لاحقاً. ويعزز تركيب المكعبات والألعاب الصغيرة التنسيق بين اليد والعين. ننتقل إلى المهارات المعرفية، التي تتطور من خلال تنمية التفكير وحل المشكلات عبر الألعاب التعليمية، الألغاز، والأنشطة التي تتطلب تصنيف الأشياء حسب اللون أو الشكل مثلاً، وسرد القصص والأنشطة الحسية (مثل اللعب بالماء أو الرمل) التي تحفز الإبداع والفضول.


وتنمي قراءة القصص والغناء والتفاعل مع المعلمين والأطفال مفردات الطفل وتطور مهاراته التعبيرية واللغوية. في المقابل، يعلمه اللعب الجماعي كيفية مشاركة الألعاب، الانتظار، والتعاون مع الآخرين، ويساعده التفاعل المستمر مع الأطفال في تطوير مهارات التفاوض وحل النزاعات ما يعزز نموه الاجتماعي والعاطفي.


كما أنّ تكليف الطفل بمهام صغيرة مثل ترتيب ألعابه أو تنظيف طاولته يعزز شعوره بالمسؤولية والثقة بالنفس. ويساعد تشجيعه على اتخاذ قرارات صغيرة مثل اختيار لون القلم أو اللعبة التي يريدها في بناء استقلاليته.


نصل الى تعليمه كيفية التعامل مع مشاعره والتعبير عنها؛ تساعده الألعاب التمثيلية (مثل لعب دور الطبيب أو المعلم) على فهم مشاعره والتعبير عنها بطريقة صحيحة. ويعزز دعم المعلمين وتشجيعهم في بناء شعور الأمان العاطفي لدى الطفل، موفرةً بيئة متوازنة تدمج بين اللعب والتعلم".


مؤشرات الاستفادة


نظرياً، هذه البيئة تهيّئ الطفل ليصبح متعلماً، نشطاً، متواصلاً، فعالاً، ومستقلاً قادراً على الاعتماد على نفسه في المستقبل. ولكن على أرض الواقع كيف نلاحظ اكتساب الطفل المهارات اللازمة؟


تجيب: "هي مؤشرات كثيرة أبرزها المهارات الحركية مثل الزحف والمشي والجري. القدرة على التعرف على الألوان والأشكال وفهم العلاقات بين الأشياء ضمن التطور المعرفي والإدراكي.


اكتساب المفردات والقدرة على التعبير عن الأفكار والمشاعر، في التطور اللغوي. من دون أن ننسى التطور الاجتماعي والعاطفي، حيث تظهر مشاعر الفرح والحزن وتتطور القدرة على التفاعل مع الآخرين. وأخيراً، تظهر الاستقلالية والمهارات الحياتية، في القدرة على ارتداء الملابس وتناول الطعام بمفرده"، مضيفةً: "تقول ماريا مونتيسوري: "السنوات الاولى من حياة الطفل هي الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء لاحقاً".




أنج خليل


هل طفلي جاهز للانتقال إلى المدرسة؟



تختلف المناهج التعليمية من حضانة إلى أخرى، ولكن الهدف الأساسي يظل مشتركاً: تهيئة الطفل للانتقال السلس إلى المرحلة المدرسية. تشمل هذه التهيئة جوانب متعددة: نفسية، اجتماعية، أكاديمية، وعاطفية وتتم من خلال استراتيجيات متنوعة تشير إليها خليل قائلةً: "يجب التحدث مع الطفل بشكل إيجابي عن المدرسة وزيارتها مسبقاً، وتعليمه كيفية الاعتناء بنفسه وتحمل المسؤولية، وضبط مواعيد نومه، وتشجيعه على اللعب الجماعي، وتقديم وداع سريع ومطمئن عند الذهاب إلى المدرسة بلا مبالغة في العواطف. فالتحضير المبكر والتشجيع المستمر يلعبان دوراً كبيراً في تسهيل عملية التأقلم". وتختم: "صحيح أن مناهج الحضانة تمهيدية ومرنة، بينما في المدرسة تكون أكثر أكاديمية، لكن قرار إرسال الطفل إلى المدرسة بعد بلوغه عمر السنتين يعتمد على احتياجاته الفردية، مستوى تطوره، وظروف الأسرة، وليس على عمر محدد فحسب".