باريس - شكّلت قمة الاتحاد الأوروبي التي انعقدت في بروكسل الخميس انعطافة محورية في الاستراتيجية الدفاعية الأوروبّية، وقد وصفتها رئيسة المفوضية الأوروبّية أورسولا فون دير لاين بأنها "إعادة كتابة للتاريخ". تبنّى الأوروبّيون خلال هذه القمة خطة إعادة تسليح بلدانهم التي تشكّل عملياً بداية الخروج من تحت مظلّة الحماية الأميركية داخل حلف "الناتو"، على الأقلّ خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، الذي كرّر القول إن بلاده لن تهبّ لمساعدة أوروبا في حال تعرّضت لاعتداء، إلّا إذا دفعت كلفة الحرب.
الولايات المتحدة هي القوّة الأساسية داخل الحلف. تنشر حالياً 70 ألف جندي في أوروبا، ولديها قواعد جوّية في ألمانيا وبلجيكا وتركيا، وهي تساهم بـ 22 في المئة من موازنة "الناتو".
ما هي احتياجات أوروبا
تشمل خطة إعادة تسليح أوروبا الاحتياجات العسكرية والأسلحة والعتاد الحربي وتقنيات حديثة في مجالات عدة، أبرزها:
- أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي وأنظمة الأسلحة المضادة للطائرات لحماية الأجواء الأوروبّية من الهجمات الصاروخية والطائرات الحربية والطائرات من دون طيار، التي تشكّل تهديداً متزايداً.
- الدبابات والمدرعات الثقيلة، التي يقدّر بعض العسكريين أن العدد المطلوب منها يتراوح بين أربعة وخمسة آلاف لتزويد القوات الأوروبّية بها، مثل "ليوبارد 2" الألمانية و "تشالنجر 2" البريطانية.
- أوروبا بحاجة إلى أسطول من الطائرات القتالية والمروحيات العسكرية لتعزيز التفوّق الجوي، مثل طائرات "يوروفايتر" و "رافال" و "أف 35".
- الطائرات من دون طيار، وتحديداً تلك المتخصّصة في الاستطلاع والضربات الدقيقة، وهي أسلحة ذات أهمّية متزايدة في الحروب الحديثة.
- أنظمة القتال السيبراني والدفاع الإلكتروني، ويتضمّن البرنامج تطوير تقنيات متقدّمة للدفاع ضدّ الهجمات السيبرانية التي تهدّد الشبكات العسكرية والبنى التحتية.
- المركبات القتالية المتعدّدة الأغراض، وهي مخصّصة للتنقل والرد.
- الذخيرة المتقدّمة وأنظمة إطلاق الصواريخ، من أجل تزويد الجيوش الأوروبّية بمنصّات إطلاق وبأسلحة دقيقة مثل أنظمة الصواريخ "هيمارس" و "جافلين" وغيرها من الأسلحة المضادة للدبابات.
- الأنظمة النووية التكتيكية، إذ كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد عرض توسيع نطاق الحماية النووية الفرنسية لتشمل أوروبا، الأمر الذي جوبه باتهامات روسية لماكرون بأنه لا يريد انتهاء الحرب.
قد تحتاج أوروبا إلى تعزيز قوتها النووية التكتيكية كجزء من الردع الاستراتيجي، لكن الدول الأوروبّية لا تمتلك كلّها السلاح النووي، إذ فرنسا وبريطانيا هما الدولتان الوحيدتان اللتان تمتلكان أسلحة نووية في أوروبا الغربية. تمتلك فرنسا حوالى 290 رأساً نووياً، وهي تعتمد على أسلحة نووية استراتيجية تشمل الصواريخ الباليستية العابرة للقارات وغواصات مجهّزة بالصواريخ النووية، إضافة إلى قاذفات القنابل النووية، فيما تمتلك بريطانيا حوالى 225 رأساً نووياً.
- الاستثمار في التكنولوجيا المتقدّمة مثل الذكاء الاصطناعي وأنظمة الاتصالات والاستخبارات.
قدرة أوروبا على تمويل الخطة
الاتحاد الأوروبي هو القوة الاقتصادية الثانية في العالم وقد بلغ الناتج المحلّي 17 ألف مليار دولار في العام 2023، كما يشكّل اليورو 30 في المئة من الاحتياط المالي العالمي.
إذاً، من الناحية النظرية، للدول الأوروبّية القدرة على تأمين كلفة إعادة تسليحها، وفقاً للخطة التي جرى تبنيها الخميس، لكن مساهمة الدول لن تكون متساوية، إذ إن القوى الاقتصادية الكبرى في الاتحاد هي ألمانيا وفرنسا وإيطاليا. أمّا بريطانيا، فخرجت من الاتحاد الأوروبي، لكنها مساهمة بخطة الدفاع.
ستستثمر ألمانيا 500 مليار يورو في قطاع الدفاع، فيما أعلن وزير الدفاع الفرنسي الخميس أن بلاده سترفع موازنة الدفاع من 50 إلى 90 مليار يورو سنوياً على مدى السنوات الأربع المقبلة.
هناك بعض الدول تفكر بإعادة الخدمة العسكرية الإلزامية. فرنسا ألغتها في العام 1997، لكن لديها قوات احتياط من 140 ألف رجل، وهي تفكر بزيادة العدد. يجب أيضاً إعادة تأهيل المصانع وزيادة قدرة إنتاجها وتوظيف عاملين في هذا القطاع.
كلّ هذه التكاليف لن تدخل في إطار العجز المسموح به في موازنات الدول الأوروبّية، إذ هناك 800 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي، وهناك أيضاً 300 مليار يورو ودائع لروسيا يُمكن أن تجري مصادرتها واستخدامها.
تجدر الإشارة إلى أن كلّ يورو يضخ في الاقتصاد الجزئي من الصناعات الحربية أو الدفاعية يُعادل 2 يورو كمدخول في الاقتصاد العام.