انفجرت الأحقاد الطائفية والمذهبية التي ورثها السوريون بشكل أساسي من حقبة نظام "حزب البعث" البائِد والحرب الأهلية التي دمّرت سوريا منذ عام 2011، في الساحل السوري ذات الغالبية العلوية خلال اليومين الماضيَين، إذ بعد سلسلة من الكمائن والهجمات التي استهدفت قوات تابعة للسلطات السورية في المنطقة، تشن وزارتي الدفاع والداخلية حملة أمنية واسعة في الساحل لملاحقة عناصر موالية للرئيس المخلوع بشار الأسد، عقب سيطرتهم على عدّة بلدات ومواقع في المنطقة، ما أسفر عن مقتل 237 شخصاً، بينهم مدنيون علويون أعدموا ميدانياً، حسب "المرصد السوري".
والقتلى توزّعوا على الشكل التالي: 50 عنصراً من وزارتي الدفاع والداخلية و45 مسلّحاً مناهضاً للسلطات. كما قُتل 76 مدنياً في اللاذقية و60 في طرطوس و6 في حماة. واستُقدمت تعزيزات عسكرية مكثفة لدعم القوى الأمنية السورية، حيث انتشرت وحدات عسكرية بشكل واسع في محافظتي اللاذقية وطرطوس. وكان لافتاً وخطراً ما كشفه مدير "المرصد السوري" رامي عبد الرحمن عن إعدام أكثر من 80 شخصاً من أبناء الطائفة العلوية في عدّة مجازر في محافظتي اللاذقية وطرطوس، مطالباً الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بإرسال لجنة تحقيق مستقلّة للتحقيق بهذه المجازر التي ارتكبت على أساس طائفي.
وتحدّث عبد الرحمن عن إهانة رجال علويين بأساليب من بينها إجبارهم على النباح مثل الكلاب. ووصف ناشطون سوريون الهجمات الانتقامية في منطقة الساحل بـ "الغزوات الجهادية المتعطّشة للدماء"، مشبّهين ممارسات عناصر من القوات السورية بتلك التي كانت تحمل توقيع "شبيحة الأسد". وألقت مجموعة من رجال الدين العلويين من "المجلس الإسلامي العلوي"، باللوم في أعمال العنف، على دمشق، داعية إلى وضع المنطقة الساحلية تحت حماية الأمم المتحدة، في وقت نقلت فيه "سانا" عن مصدر أمني قوله إن "حشوداً شعبية كبيرة غير منظمة" توجّهت إلى الساحل، ما أدّى إلى "بعض الانتهاكات الفردية".
وفرضت القوات سيطرتها على مدينة بانياس، بينما تخضع مدينة جبلة التي شكّلت محور الاشتباكات الخميس، للسيطرة الكاملة للقوات الرسمية، وفق "المرصد السوري". وباشرت القوات الرسمية باقتحام مدينة القرداحة، مسقط رأس الأسد، بعدما استقدمت تعزيزات عسكرية تضمّنت دبابات ومصفحات، فيما أفاد مصدر في وزارة الدفاع لوكالة "سانا" بأن القوات السورية ستُنفّذ "عمليات نوعية دقيقة ضدّ فلول النظام البائِد التي غدرت بقواتنا وأهلنا في مدينة القرداحة"، مشيراً إلى أنه "تمكّنت قواتنا من فك الحصار المفروض من قِبل فلول النظام البائِد على مقاتلينا في محيط القرداحة بعد اشتباكات عنيفة".
وكشف المصدر أن "فلول نظام الأسد" اتخذت من أبنية ومرتفعات مدينة القرداحة وكراً لها لاستهداف القوات الأمنية، في حين جزم "المرصد السوري" بأنه لا يزال هناك عناصر مسلّحين من جيش النظام البائِد منتشرين في عدّة بلدات وقرى في جبال الساحل. كذلك، أفادت الدفاع السورية بأن قواتها حققت تقدّماً ميدانياً سريعاً وأعادت فرض السيطرة على المناطق التي شهدت اعتداءات ضدّ الأمن العام، داعية "الأهالي الذين هبّوا لمؤازرة إخوانهم إلى العودة لمناطقهم، فالأوضاع تحت السيطرة الكاملة والعمليات مستمرّة وفق الخطة بدقة، ولا داعي للقلق". وتوعّدت كلّ من يرفض تسليم سلاحه للدولة بأنه سيواجه "ردّاً حاسماً لا تهاون فيه".
من جانبه، كشف رئيس جهاز الاستخبارات العامة أنس خطاب أن التحقيقات الأولية أظهرت أن قيادات عسكرية وأمنية تتبع للنظام السابق تقف وراء التخطيط والتدبير لما تشهده مدن الساحل حالياً، مشيراً إلى أن هذه القيادات يجري توجيهها من قِبل بعض شخصيات نظام الأسد الهاربة خارج سوريا والمطلوبة للعدالة. وشدّد على أنه لن يجري التسامح مع مَن تلطّخت أيديهم بدماء السوريين، داعياً المطلوبين إلى تسليم أنفسهم وأسلحتهم إلى أقرب جهة أمنية.
دبلوماسياً، دانت السعودية "الجرائم" التي تنفذها مجموعات خارجة عن القانون في سوريا واستهدافها القوات الأمنية، مؤكدة "وقوفها إلى جانب الحكومة السورية"، فيما اعتبرت تركيا أن القتال في سوريا يُهدّد بتقويض جهود تحقيق الوحدة والتضامن في البلاد، متمسّكة بدعم دمشق. وأكد الأردن دعم دمشق في كلّ ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها، رافضاً أي تدخل خارجي أو محاولات لدفع البلاد نحو الفوضى.
في المقابل، دعت روسيا القادة "المحترمين" في سوريا إلى "التهدئة" ووضع حدّ لـ"سفك الدماء" في أسرع وقت ممكن، مبدية استعدادها "لتنسيق الجهود بشكل وثيق مع الشركاء الأجانب لتهدئة الوضع"، في حين حذرت إيران من أن استمرار العنف في سوريا قد يؤدّي إلى "عدم استقرار إقليمي".
في هذا الإطار، اعتبر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن بلاده تواجه حرباً خفية ومعلنة لكسر إرادة السوريين ببث الفوضى ومحاولات الإغلاق السياسي في الخارج، شاكراً الدول الشقيقة والصديقة التي عبّرت عن موقفها الداعم للحكومة السورية في مواجهتها "فلول الأسد".
في الغضون، عاد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى التأكيد أن القوات الإسرائيلية ستبقى في سوريا إلى أجل غير مسمّى، حاسماً عدم ثقة تل أبيب بدمشق، وعدم تخلّيها عن حماية الدروز. وتوعّد أي شخص يؤذي الدروز بأنه سيواجه ردّنا.