لم يصل البقاعيون بعد إلى الفقر والجوع الذي يدفعهم للنزول إلى الشارع ومد اليد للحصول على سعر ربطة خبز أو مساعدةٍ عينية، لكن أفق الحلول المقفلة قد دفعهم إلى ما هو أسوأ. ظاهرةٌ قديمة جديدة تغزو مدينة بعلبك وصولاً إلى دورس، حيث لا يكاد يخلو شارع أو ساحة من المتسولين وجلّهم من النساء، يختارون أماكن التجمعات في محلة رأس العين وأمام المحال التجارية والسوق التجاري لمد اليد وطلب النقود والمساعدة بكل جرأة.
في محلة رأس العين متنفس أهالي بعلبك والتي يقصدها الناس صباحاً لممارسة الرياضة أو تناول الفطور، تتجمع العشرات من الفتيات اللواتي لم يكملن سن الخامسة عشرة، يتقدمن السيارات المتوقفة حول مرجة رأس العين يطلبن المساعدة، يفتحن الأحاديث مع "الزبائن"، وصولاً إلى صعود بعضهن في السيارة، والقيام بجولة يحصلن بعدها على بعض الليرات. وفي المقابل ينتشر عدد من النساء اللواتي تجاوزن الخمسين يحصلنَ على الأموال بطريقة إحترافية متمثلةً في إتباعهن مهنة "التبصير"، يقمن بحملة دعائية صباحية قوامها المناداة بصوت حنون: "بصارة، تعال شوف حظك، مبين عليك مهموم"، كلمات قليلة تكفي لمن يجوب الحديقة للتنزه وتهدئة أعصابه بأن يتمسك بقشة البصارة، التي ستعدل له حظه وتريحه من هم الأزمات التي يعيشها، وتفتح له آفاق العمل والرزق.
آية م. ع. إحدى المتسولات في محلة رأس العين والتي لم يتجاوز عمرها 12 سنة، تقترب من السيارة وتطلب المساعدة التي تبدأ بالتدرج نزولاً من الخمسة آلاف ليرة حتى الخمسماية ليرة بقصد شراء ربطة الخبز وفق ما تقول، تفتح الحديث مع من تقصده وإذا لم يقم بواجبه بدفع ما يلزم، إنهالت عليه بكلمات يحرج بها وتدفعه إما لإعطائها المال أو لتشغيل سيارته ومغادرة المكان. وعند سؤالها عن جنسيتها تقول إنها من "النوَر" الذين يقطنون مخيماً في محلة التل الأبيض على طريق بعلبك حمص الدولية، وتضيف بأنها وزميلاتها يقصدن المحلة يومياً وهو أشبه بدوام من الصباح وحتى الثانية بعد الظهر.
ووسط السوق التجاري يتنقل أطفال لم يبلغوا سن العاشرة، يحملون عبوات المياه وأكياس المحارم، يعرضونها على السيارات التي تنتظر في الزحمة، ما يدفع أصحابها إلى دفع الأموال من دون الشراء، ناهيك عن التجمعات التي تحصل أمام المحال التجارية ومحال الخضار وخصوصاً في بلدة دورس على الطريق العام، حيث تنتظر النساء والأطفال الزبائن بعد خروجهم من المحال ليبدأوا بالتوسل وطلب النقود.
أشار مصدر أمني لـ"نداء الوطن" إلى أن "أغلبية المتسولين هم من النور السوريين غير النازحين والذين يقطنون المدينة منذ عشرات السنين، ويعمل بعضهم ضمن مجموعات لها رأس مدبر يوزّع هؤلاء على الأماكن والتجمعات، وفي المساء يجمع منهم "الغلّة" يأخذون منها نسبةً معينة فيما الباقي للمعلم"، مضيفاً أن "معظم سكان المخيمات يعتمدون على النساء في العمل سواء في التسول أو العمل في الأرض والزراعة، فيما الرجال يجلسون في الخيمة، مضيفاً أن "القوى الأمنية لا تستطيع لجم هذه الظاهرة إلا عبر دوريات مخصصة لهم، فعنصر قوى الأمن المولج تنظيم السير لا يمكنه ضبط هؤلاء وإبعادهم".
غياب القوى الأمنية والسلطات المحلية المتمثلة بالبلديات تدفع بهذه الظاهرة إلى التوسع، والأوضاع الاقتصادية الحالية تصعّب احتمال معالجتها.