ريتا ابراهيم فريد

عبدالله خطاب: إنفجار بيروت أيقظ الإنسانية في داخلنا

7 دقائق للقراءة
ورشة تجهيز الزجاج في مدرسة العازارية - كليمنصو (رمزي الحاج)
لا يهدأ هاتفه ولا يستريح. إتصالات كثيرة يتلقّاها الناشط عبدالله خطّاب لمواطنين متضرّرين من انفجار بيروت طلباً للمساعدة. ابتسامته الدائمة تسبق أي إجابة، قبل أن يردّ بهدوء ويتحدّث معهم عن التفاصيل، ثمّ يتّصل بالمتطوّعين كي يعطيهم عنوان أحد المنازل الذي يحتاج الى تصليح، أو يبحث معهم في تنظيم المواعيد. إتصال يرده بشأن منزل يحتاج الى غسّالة جديدة. يطلب فوراً من المتطوّع أن يركّب البلاط الجديد في أرض المطبخ قبل وصول الغسّالة، ثمّ يطلب من آخر إنهاء تركيب الزجاج في أحد المنازل اليوم.



الفكرة بدأت مع إحدى صديقات عبدالله التي أطلقت مبادرة لتصليح الأبواب والأقفال والشبابيك للمتضرّرين من انفجار المرفأ. طلبت من عبدالله أن يساعدها، فلم يتردّد. إلا أنه قرّر لاحقاً أن يتوسّع في أعمال التصليحات كي لا تقتصر على الأبواب والشبابيك، بل أن يتمّ الاهتمام أيضاً بالزجاج والكهرباء والمكيّفات، وصولاً الى تأمين مفروشات جديدة للمنازل إضافة الى الدواء والحليب للأطفال، حتى أن بعض الطلاب طلبوا منه "لابتوب" للدراسة عن بُعد.

وبمساعدة عدد من أصدقائه في الكويت، استطاع تأمين مبالغ مالية لشراء الموادّ الأساسية، وأوّل من قدّم له المال كان صديقه الذي أعطاه 33 دولاراً. ثمّ بدأ يتلقّى التمويل من أصحاب الأيادي البيضاء، حتى أنه تلقّى مساعدة مالية من شخص تهدّم متجره. تزامن ذلك مع إقبال عدد كبير من المتطوّعين الذين تواصلوا معه رغبة في تقديم التصليحات مجاناً، أو للمساعدة في التنسيق وتنظيم المواعيد. يعمل الجميع بفرح "ومن كلّ قلبهم". الأولوية لإنهاء التصليحات في أكبر عدد ممكن من المنازل كي تصبح مؤهّلة للسكن قبل قدوم الشتاء. واليوم أنهى عبدالله تصليح أكثر من مئة منزل متضرّر. يشير عبدالله في هذا الإطار الى أنّ "الإنفجار أيقظ الإنسانية في داخلنا، وجعلنا نشعر بوجع بعضنا البعض من جميع المناطق والإنتماءات، داخل وخارج لبنان".

"نداء الوطن" التقت عبدالله بداية في مدرسة اللعازارية – كليمنصو، التي شرّعت أبوابها لتلميذها السابق وقدّمت له مكاناً لتخزين الموادّ، حيث بات الملعب أشبه بورشة لتحضير الزجاج وقصّه تمهيداً لنقله الى البيوت المتضرّرة لتركيبه.






يتحدّث عبدالله الى المعلّم عباس الذي أقفل موقتاً محلّه في حارة حريك، وبات يحضر يومياً الى كليمنصو كي يهتمّ بعملية قصّ الزجاج بمساعدة عدد من المتطوّعين.

وفي هذا الإطار يشيد رفيق خوري، وهو أستاذ عبدالله السابق في المدرسة، بالمبادرة الانسانية التي يقوم بها تلميذه. وهنا لا بدّ من الإشارة الى أنّ الأستاذ خوري كان صلة وصل بين عبدالله وأحد مستوردي الزجاج الذي قدّم له كمية كبيرة من الزجاج بسعر الكلفة دعماً لإعمار بيروت.

في الجهة المقابلة من الشارع، مدرسة أخرى كانت مقفلة منذ فترة، فأعيد فتحها كي تصبح مركزاً لتلقّي المساعدات من فرش وأسرّة وأغطية ومفروشات وأدوات منزلية ومستلزمات للأطفال.

يقفل عبدالله الخطّ مع أحد الأشخاص، ثمّ يستمع الى سيّدة حضرت كي تخبره عن تصليحات عدة تحتاجها في منزلها المتضرّر من الانفجار. استقبلها الأستاذ خوري في البداية ثمّ قال لها: "احكي مع عبدلله". يطلب الأخير منها فوراً أن تسجّل رقم هاتفه كي ترسل له اسمها وعنوانها مع صور للمنزل، ويردف بابتسامة لطيفة: "كل شيء سيكون على ما يرام. لا تقلقي".



العلم اللبناني على شرفة المنازل المتضرّرة

ومن الورشة في كليمنصو، انتقلنا مع عبدالله الى منطقة مار مخايل لتفقّد العمل في أحد المنازل المتضرّرة، حيث يقوم المتطوّعون بدهن الأبواب والشبابيك وجلي البلاط وتركيـب الزجاج والخشب..

وكان لافتاً العلم اللبناني الذي يرفرف على شرفة أحد المنازل المتضرّرة التي زرناها، والذي يتمّ العمل حالياً على إصلاحه. يبدو العلم أشبه بإرادة الحياة بين كلّ هذا الموت، وأملاً جديداً بأنّ هذه المنازل ستنهض من بين الدمار، وتستعيد بيروت حياتها.

في هذا الإطار يشير عبدالله الى أنه يرفع العلم اللبناني على شرفة معظم المنازل التي يعمل على تصليحها، ويقول: "نحنا لسنا جمعية كي نضع اسمنا أو اسم جمعيّتنا. لذلك ارتأينا أن نرفع العلم اللبناني الذي يجمعنا كلنا في هذا الوطن".



العلم اللبناني على شرفة أحد المنازل المتضررة




العمّ الضرير رفض أن يترك كلبه

ومن مار مخايل الى برج حمّود، انتقلنا الى منزل المسنّ الضرير الذي وجده عبدالله بمفرده مع كلبه. كان العمّ في وضع مأسوي للغاية على جميع الصعد، ورغم ذلك رفض أن يترك كلبه أو أن يعيش من دونه. أحد الأصدقاء اهتمّ بالكلب لفترة، فيما نجحت إحدى المتطوّعات بتأمين منامة للعمّ في أحد الفنادق ريثما يتمّ الإنتهاء من تصليح المنزل.

البداية كانت مع تعقيم كامل للمكان ورمي الفرش العتيق. ثمّ بدأت ورشة الطرش والدهان وجلي البلاط، وسيتمّ تأمين فرش جديد، فيما تكفّلت إحدى المؤسسات بتأمين المساعدة للعمّ حين يعود الى منزله.



"نهاري يبدأ بالمقلوب"

يبدأ عبدالله نهاره "بالمقلوب"، أي في الليل، كما يقول ممازحاً. فحين يعود الى منزله ليلاً، يقرأ جميع الرسائل التي وصلته عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر هاتفه.

يستيقظ في اليوم التالي عند الخامسة والنصف صباحاً كي يجول على المنازل المتضرّرة مروراً بالورشة. يبدأ بمتابعة العمل على الرسائل التي وصلته قبل غيرها، مع إعطاء الأولوية للحالات الطارئة، مشيراً الى أنّ أحدهم تواصل معه كي يطلب حليباً لطفله، فقصده عبدالله في منتصف الليل وأمّن له ما يحتاجه، ويوضح: "لا يمكن أن نقول لطفل انتظر للغد كي تشرب الحليب".



"أحياناً أتناول الفطور عند الخامسة مساءً"

لا شكّ بأنّ الإرهاق والتعب الجسدي يتركان تأثيراً كبيراً على الشقّ النفسي لدى كل إنسان، مهما تحلّى بطاقة إيجابية. وفي هذا الإطار يشير عبدالله الى أنّه يعيش في ظلّ توتّر قوي بسبب ما يحدث، بالإضافة الى قلّة النوم، حتى أنّه أحياناً يتناول فطوره عند الساعة الخامسة مساءً بسبب انشغالاته الكثيرة في متابعة العمل داخل المنازل المتضرّرة. ويضيف قائلاً: "عندما أجلس بمفردي وأستذكر الأخبار والحالات المؤثّرة التي صادفتها خلال النهار، يصبح من المستحيل أن تمرّ ليلتي بشكل عادي، حيث أشعر بثقل كبير. فالأشخاص الذين أراهم يومياً قد حمّلوني مشاعرهم وأوجاعهم. وهذا الأمر يزيد من ثقل الحمل لديّ، ويستهلك طاقة إضافية. وأنا أحاول أن أكون الى جانبهم دوماً وألّا أرفض أيّ طلب لأيّ كان، لا سيّما أنهم وضعوا ثقتهم بي".






"لا أريد سوى أن أضيء شمعة لهما"

يتحدّث عبدالله عن سيّدة تعيش في الأشرفية أثّرت به كثيراً. فعلى الرغم من أنّ منزلها تضرّر بالكامل في الانفجار، وأصيبت في وجهها ويدها ورجلها، لكنّها لم تطلب إلا طلباً واحداً. وكانت تقول وهي تبكي وترتجف إنها لا تريد شيئاً سوى أن يدهنوا لها قسماً من الحائط كي يصبح لائقاً، لتعلّق عليه صورتي زوجها وابنها اللذين توفّيا منذ مدّة قصيرة، وتضيء أمامهما شمعة.



الشاب السوري إياد يساعد "من كل قلبو"


يتحدّث عبدالله أيضاً عن شاب سوري كان من أول الذين تطوّعوا للمساعدة، يدعى إياد. كان عبدالله قد تعرّف إليه من خلال إحدى الصديقات، وتطوّع مجاناً للمساعدة، "ومن كل قلبو"، كما يقول عبدالله. ويضيف أنّ إياد يشعر بالانتماء الى هذه الأرض أكثر من عدد كبير من اللبنانيين، ويشدّد على أنّنا كلّنا عرب ويجب أن نقف الى جانب بعضنا البعض. ورغم أن إمكانيات إياد المادية محدودة جداً، لكنه كان راضياً بأن يعمل مجاناً. قدّم الإسعافات الأوّلوية للمنازل، وساعد على إصلاح الأبواب المخلوعة أو المفكّكة وأعاد تركيبها مع إصلاح الأقفال.



"ميّ وسكّر بدل الحليب"

ومن القصص التي أثّرت كثيراً بعبدالله أيضاً، حين تواصل معه شخص من أجل طفله الرضيع الذي لا يتجاوز عمره الشهر، والذي ولد قبل أوانه إذ كانت والدته حاملاً به في الشهر السادس. لكنّها اضطرّت للولادة إثر الصدمة التي تلقّتها خلال الانفجار. وفي حين أنّ الأسرة تعيش في وضع مادي صعب جداً، لم تستطع أن تؤمّن حتى الحليب للطفل، وأطعموه عوضاً عنه "ميّ وسكّر". ويضيف عبدالله بتأثّر: "طبعاً ساعدناه لتأمين ما يحتاجه. وهم اليوم يرسلون لي يومياً صوراً للطفل وهو يشرب الحليب".