انتهاء العمليات في الساحل وتعهّد بمعاقبة المرتكبين

"اتفاق دمج" بين الشرع وعبدي... والعبرة بالتنفيذ

5 دقائق للقراءة

لم تحل مجازر الساحل السوري دون حصول تطوّر لافت من شأنه فتح صفحة جديدة بين الكرد السوريين ودمشق، حيث وقّع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وقائد "قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم عبدي اتفاقاً يقضي بـ "دمج" كافة المؤسّسات المدنية والعسكرية التابعة لـ "الإدارة الذاتية" لشمال سوريا وشرقها في إطار الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز. كما نصّ الاتفاق على وقف إطلاق النار على كلّ الأراضي السورية، وضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة، وضمان عودة جميع المهجّرين السوريين إلى بلداتهم وحمايتهم من الدولة.


وشمل الاتفاق دعم دمشق في مكافحة "فلول" نظام بشار الأسد البائِد وكلّ التهديدات، ورفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة، فيما تضمن الدولة السورية حق المجتمع الكردي في المواطنة وكل الحقوق، على أن يجري تطبيق الاتفاق بما لا يتجاوز نهاية العام الحالي. وعلّق خبراء في الشأن السوري على توقيع الاتفاق بالقول: "تبقى العبرة بالتنفيذ".


وفي ما يتعلّق بتطوّرات الساحل السوري، الذي دفع مجلس الأمن الدولي إلى عقد مشاورات مغلقة بطلب أميركي - روسي، أعلنت الدفاع السورية تأمين محافظتي اللاذقية وطرطوس، بعد الاشباكات الدامية التي شهدتها تلك المناطق خلال الأيام الماضية بين قوات دمشق و"فلول النظام السابق"، والتي تخلّلتها مجازر طائفية بحق العلويين، مؤكدة انتهاء العملية العسكرية في الساحل بعد تحقيق أهدافها. كما أوضحت أن "الأجهزة الأمنية وضعت خططاً جديدة لاستكمال محاربة فلول النظام البائِد، وسنتيح للجنة التحقيق الفرصة الكاملة لكشف ملابسات الأحداث وإنصاف المظلومين"، مشيرة إلى أن المؤسّسات العامة باتت قادرة على استئناف عملها.


في الأثناء، وصل وفد من الأمم المتحدة إلى قرى في ريفي اللاذقية وطرطوس بهدف تقصي الحقائق، في حين كشف "المرصد السوري" أن العمليات انتهت بنحو 40 مجزرة، لافتاً إلى أن عدد القتلى تجاوز الـ 1000 مدني. وحمّل حكومة دمشق المسؤولية، موضحاً أنه "شاهدنا أشرطة مصوّرة لمقاتلين من الأمن العام ووزارة الدفاع ارتكبوا انتهاكات وقتلوا المدنيين".


وتحدّث المرصد عن عمليات لإزالة الأدلة عبر "غسل الشوارع والمباني ونقل الجثامين في محاولة لطمس الحقيقة، بينما مرّت لجنة التحقيق مرور الكرام في بعض المناطق في الساحل"، في وقت أفادت فيه وكالة "سانا" بأن الشرطة العسكرية ألقت القبض على شخصَين، بعد انتشار فيديو مصوّر لهما أثناء قيامهما بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين بشكل غير قانوني ودموي في إحدى قرى الساحل، وحوّلا إلى القضاء العسكري المختصّ لينالا جزاءهما.


في الغضون، تظاهر آلاف العلويين الهاربين من منازلهم داخل قاعدة حميميم الروسية، حيث هتف المتظاهرون ضدّ "التطهير العرقي"، وكتبوا لافتات تطالب بحماية دولية. وأفادت قناة "آي 24 نيوز" الإسرائيلية بأن عدداً من زعماء العلويين في سوريا بعثوا رسالة إلى كبار المسؤولين الإسرائيليين طالبوا خلالها بـ "إنقاذهم من النظام الظالم"، في حين جدّدت تل أبيب إبداء استعدادها للدفاع عن الدروز في سوريا بعد "مذبحة المدنيين" في الساحل.


توازياً، اعتبر الشرع خلال مقابلة مع وكالة "رويترز" أن عمليات القتل الجماعي لأفراد من الطائفة العلوية تشكّل تهديداً لجهوده للمّ شمل البلاد، متعهداً بمعاقبة المسؤولين عنها حتى لو كانوا "أقرب الناس" إليه، فيما أقرّ بأن "أطرافاً عديدة دخلت الساحل السوري وحدثت انتهاكات عديدة"، مشيراً إلى أن ذلك أتاح "فرصة للانتقام"، إنما أكد أن الوضع جرى احتواؤه إلى حدّ كبير. ورفض الشرع الردّ على سؤال حول ما إذا كان المقاتلون الأجانب أو الفصائل الإسلامية المتحالفة الأخرى أو أفراد قوات الأمن الحكومية، تورّطوا في عمليات القتل الجماعي، لافتاً إلى أن الأمر متروك للتحقيق الذي ستجريه لجنة مستقلّة أعلن تشكيلها الأحد.


واتهم الشرع موالين للأسد كانوا ينتمون إلى "الفرقة الرابعة" في جيش النظام السابق، وقوّة أجنبية متحالفة معهم، بإشعال فتيل الاشتباكات الخميس الماضي لإثارة الاضطرابات وخلق الفتنة الطائفية. ولم يُحدّد القوّة الأجنبية، لكنه لمّح بشكل واضح إلى إيران. وذكر أن 200 من أفراد قوات الأمن قتلوا في الاشتباكات، لكنه رفض الإفصاح عن إجمالي عدد القتلى في انتظار التحقيق. كما أكد أن حكومته لم تجر أي اتصالات مع الولايات المتحدة منذ تولية الرئيس دونالد ترامب، بيد أنه أشار إلى أن "سوريا بابها مفتوح للتواصل"، مكرّراً مناشدة واشنطن رفع العقوبات عن دمشق. وطرح الشرع احتمال استعادة العلاقات مع روسيا، كاشفاً أن موسكو ودمشق اتفقتا على مراجعة كلّ الاتفاقات السابقة بينهما.


دبلوماسياً، اعتبرت الخارجية الإيرانية أنه "لا مبرّر" للهجمات بحق الأقليات في سوريا، رافضة اتهام طهران بالضلوع في الاشتباكات في الساحل، بينما اعتبر الكرملين أنه يتعيّن أن ينتهي العنف في سوريا في أسرع وقت ممكن. ونصح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، دمشق، بالعمل على تخفيف التوتر، مرحّباً بالتزام الشرع بمعاقبة الذين تصرّفوا خارج نطاق القانون. ودان الاتحاد الأوروبي "بشدّة الهجمات الأخيرة التي شنتها عناصر موالية للأسد على قوات الحكومة الموَقتة، وكلّ أعمال العنف ضدّ المدنيين".