الدكتور دريد بشرّاوي

اتفاق وقف النار والبيان الوزاري... قراءة في مضمون ومفاعيل الـ 1701

30 دقيقة للقراءة

دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله حيز التنفيذ بتاريخ 27 تشرين الثاني 2024 بعد أن وافقت عليه حكومة تصريف الأعمال السابقة. ووضع هذا الاتفاق حدا لنحو أربعة عشر شهرا من المواجهات العسكرية العنيفة بين الطرفين. وهو عبارة عن هدنة وُقّعت بين طرفي النزاع برعاية أميركية، لوقف الأعمال العدائية مؤقتًا وفقًا لاتفاقيات جنيف وخصوصا البروتوكول الأول (لعام 1977) الملحق بهذه الاتفاقيات، وتطبيقا لقرار مجلس الأمن رقم 1701 الصادر بتاريخ 11 آب 2006. ويُعتبر تنفيذ هذه الهدنة جزءًا من القانون الإنساني الدولي، حيث تحدد الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية الملحقة الطريقة التي يجب أن تتبعها الأطراف لتجنب انتهاكات حقوق الإنسان.



استند اتفاق وقف إطلاق النار المذكور أعلاه الى مندرجات قرار مجلس الأمن رقم 1701 ودعا الى تطبيقه بالكامل. غير أن هذ الاتفاق لا يعتبر، من الناحية القانونية، نصاً معدلاً للقرار رقم 1701 أو ملحقا به، اذ أن القرارات الدولية لا يمكن تعديلها الا بموجب قرارات جديدة صادرة عن السلطة ذاتها التي أقرتها أي مجلس الأمن أو الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وانما يمكن أن يشكل صيغة إجرائية تنفيذية للقرار رقم 1701 خصوصا وانه دعا الى تطبيق بنوده. وبالفعل فقد أشار الاتفاق إلى أن القرار رقم 1701 ينص على التنفيذ الكامل لقرارات مجلس الأمن السابقة التي استند إليها، بما يشمل القرار رقم 1559 من دون ذكره صراحة، وهو القرار الذي يلزم بنزع سلاح جميع المنظمات المسلحة، وكذلك القرار رقم 1680 الذي يدعو إلى ترسيم الحدود البرية بين سوريا ولبنان.


انتهت مدة الستين يوما للهدنة التي ينص عليها اتفاق وقف إطلاق النار بتاريخ 28 كانون الثاني 2025 وتم تمديدها بموافقة أطراف النزاع حتى الثامن عشر من شباط 2025 وانسحبت القوات الاسرائيلية من الجنوب اللبناني، لكن اسرائيل أبقت على عدد قليل من قواتها العسكرية في خمس نقاط استراتيجية واقعة في تلال على الحدود داخل الأراضي اللبنانية. ثم انها خرقت اتفاق الهدنة العديد من المرات متابعة طلعاتها الجوية فوق لبنان وقصف العديد من مواقع حزب الله العسكرية بالإضافة الى اغتيال عدد كبير من عناصره وكوادره العسكرية. كما تم خرق الاتفاق من قبل حزب الله الذي لم يسلم بعد بالكامل سلاحه واعتدته وترسانته العسكرية في جنوب الليطاني، ولا أي سلاح في شمال الليطاني معتبرا أن اتفاق الهدنة كما القرار الدولي رقم 1701 لا ينصّان على تسليم هذا السلاح في باقي المناطق اللبنانية. يضاف الى ذلك ان هناك العديد من التفسيرات المتضاربة للاتفاق المشار اليه أعلاه كما للقرار رقم 1701 الذي يشكّل المرجع القانوني الأساس الواجب تطبيقه بغض النظر عن حيثيات اتفاق وقف إطلاق النار الذي لا يتمتع بذات القوة القانونية التي تعود للقرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن.



ومهما تكن وجهة التفسيرات المعطاة لاتفاق وقف إطلاق النار، تقتضي الاحالة على القرار رقم 1701 لإزالة أي غموض يعتري نصوص هذا الاتفاق خصوصا فيما يتعلق بتجريد سلاح المنظمات غير الشرعية ونشر قوات الجيش اللبناني على جميع الاراضي اللبنانية أكان السلاح موجودا في جنوب الليطاني أم في شماله، مما يوجب الاطلاع بدقة على ما ينص عليه هذا القرار والبحث في الصعوبات المتعلقة بتفسيره وبقيمته القانونية وبقوته التنفيذية الملزمتين. ولكن لا بد من الإشارة بادئ ذي بدء الى ثوابت عدة نص عليها القرار رقم 1701 وأكد على ضرورة احترامها أكان في مقدمته أم في متن نصه.


تتلخص هذه الثوابت بالنقاط والعناصر الأساسية التالية:


• الوضع في لبنان يشكّل تهديداً للسلم والأمن الدوليين

يؤكد القرار رقم 1701 على أن الوضع في لبنان يشكّل تهديدا للسلم والأمن الدوليين ويذكّر بكل قرارات مجلس الأمن السابقة المتعلقة بلبنان، ويشدّد على ضرورة أن تبسط الحكومة اللبنانية سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية طبقاً لبنود القرارين 1559 (2004) و1680 (2006) ولبنود اتفاق الطائف ذات الصلة، وأن تمارس سيادتها بشكل كامل بما يؤدي إلى عدم وجود أي سلاح غير شرعي بدون موافقة الحكومة اللبنانية وعدم وجود أي سلطة غير تلك التي تمارسها الحكومة اللبنانية.


• ضرورة الاحترام الكامل للخط الأزرق

يكرّر القرار تأكيد دعم مجلس الأمن الحازم للاحترام الصارم للخط الأزرق.


• التأكيد على سيادة الدولة اللبنانية ووحدة وسلامة أراضيها

يشدّد القرار رقم 1701 على تمسك مجلس الأمن الثابت كما ذكر في كل قراراته السابقة، بوحدة وسلامة أراضي لبنان وسيادته واستقلاله السياسي داخل حدوده المعترف بها دولياً كما هو وارد في اتفاقية الهدنة الإسرائيلية اللبنانية الموقعة بتاريخ 23 آذار 1949.



• إقامة منطقة عازلة

يقيم القرار رقم 1701 منطقة عازلة بين الخط الأزرق والليطاني خالية من أي مسلحين أو ممتلكات أو أسلحة غير تلك التي تنشرها في المنطقة الحكومة اللبنانية وقوة الطوارئ الدولية المسموح بها طبقاً للفقرة الحادية عشرة.



وعلى الرغم من صراحة هذه الثوابت، فان القرار رقم 1701 الذي لم ينفذ كاملا بعد، بدأ يطرح مؤخرا العديد من الاشكاليات المتعلقة بتفسيره وبآلية تنفيذه وخصوصا منذ أن فتح حزب الله ما سماه بجبهة الاسناد لغزة على الحدود اللبنانية مع إسرائيل ومنذ اتفاق وقف اطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله الذي دخل حيز التنفيذ بتاريخ 27 تشرين الثاني 2024، اذ أن كل فريق من فرقاء النزاع يريد تطبيقه أو حتى عدم تطبيقه وفقا لوجهة نظر مختلفة تتوافق مع مصالحه ومخططاته، وكل جهة من الجهات السياسية اللبنانية وحتى الإقليمية كانت تعطيه وما زالت تفسيرا مختلفا عن الآخر وذلك طبقا لتطلعاتها ولرغباتها السياسية والمصلحية. لذلك ينبغي البحث في مضمون هذا القرار )أولا( قبل معالجة إشكاليات التفسير والتنفيذ التي يطرحها )ثانيا( وتلك المتعلقة بقوته القانونية الملزمة (ثالثا).



أولا: في مضمون القرار الدولي رقم 1701

خلافا لما يدعيه البعض، اتخذ قرار مجلس الأمن رقم 1701 ليس فقط من أجل انهاء الاشتباكات المسلحة بين إسرائيل ومنظمة حزب الله وإقامة منطقة عازلة بين الخط الأزرق وجنوب الليطاني، وانما أيضا بهدف تمكين الدولة اللبنانية من استعادة سلطتها وسيادتها ليس فقط على جنوب البلاد وانما كذلك على كامل التراب اللبناني، ومن تجريد المجموعات المسلحة اللبنانية وغير اللبنانية من سلاحها ومن ضبط الحدود والمعابر اللبنانية البرية والبحرية ومنع التسلح وإدخال السلاح غير الشرعي الى لبنان. وفي هذا السياق، يلقي القرار على عاتق الأطراف المعنية موجبات متعددة والزامات أساسية أهمها:



• انسحاب فوري لمسلحي حزب الله وللقوات الإسرائيلية، سحب السلاح وإقامة منطقة عازلة واحترام الخط الأزرق

إضافة الى احترام صارم من الجانبين للخط الأزرق، ينص القرار على اتخاذ إجراءات أمنية تمنع استئناف العمليات الحربية وخصوصاً إقامة منطقة بين الخط الأزرق والليطاني خالية من أي مسلحين أو ممتلكات أو أسلحة غير تلك التي تنشرها الحكومة اللبنانية وقوات الطوارئ الدولية المسموح بها )الفقرات 2 و4 و 11 من القرار(، وهذا ما ينص عليه أيضا اتفاق وقف إطلاق النار تطبيقا للقرار رقم 1701. ويشير القرار في متنه الى ضرورة الانسحاب الفوري للقوات الإسرائيلية بالتزامن مع سحب قوات وسلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني في المنطقة العازلة بين الخط الأزرق وجنوب الليطاني، والى المقترحات التي عرضت في خطة الحكومة اللبنانية والمؤلفة من سبع نقاط.



• بسط سلطة الدولة اللبنانية ليس فقط في جنوب لبنان وانما على كامل الأراضي اللبنانية

ينص القرار على ضرورة أن تبسط الحكومة اللبنانية سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية طبقاً لبنود القرارين 1559 (2004) و1680 (2006) ولبنود اتفاق الطائف ذات الصلة، وأن تمارس سيادتها بشكل كامل وغير منقوص بما يؤدي إلى عدم وجود أي سلاح بدون موافقة الحكومة اللبنانية وعدم وجود أي سلطة غير تلك التي تمارسها الحكومة اللبنانية ليس فقط في الجنوب اللبناني وانما على كافة الأراضي اللبنانية )الفقرة 3"



• ضبط الحدود البرية والبحرية

يضع القرار رقم 1701 صراحة على عاتق السلطات اللبنانية موجب مراقبة وضبط الحدود البرية والبحرية مع سوريا ومنع استيراد أو ادخال أية أسلحة وكذلك منع بيع أو تسليم أية أسلحة أو معدات مرتبطة بأية منظمة أو مجموعة أو جهة في لبنان باستثناء تلك التي تسمح بها الحكومة اللبنانية. )الفقرتان 10 و14(.



• تدعيم عديد وعتاد وحقل عمليات ومهام قوات الطوارئ الدولية ومرافقة ودعم القوات المسلحة اللبنانية بالتزامن مع انتشارها في كل الجنوب) الفقرتان 10 و 11 (.



• مساعدة الحكومة اللبنانية، بناء على طلبها، على تطبيق الفقرة 14 من القرار التي تضع على كاهل هذه الحكومة موجب ضمان أمن حدودها ونقاط الدخول الاخرى وضبطها بما يمنع دخول أية أسلحة أو معدات مرتبطة بها بدون موافقتها.



• اتخاذ الاجراءات اللازمة : دعما لسيادة الدولة اللبنانية وبهدف تجريد المنظمات اللبنانية وغيرها من سلاحها غير الشرعي ومنعها من القيام بأية أعمال حربية على الأراضي اللبنانية أو انطلاقا منها، تلزم الفقرة 15 من القرار رقم1701 كل الدول الأعضاء اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لمنع مواطنيها أو انطلاقاً من أراضيها أو عن طريق سفن ترفع علمها أو طائرات من جنسيتها: أ - بيع أو تسليم أي كيان أو فرد موجود في لبنان أسلحة ومعدات على صلة بها من كل الأنواع بما في ذلك الأسلحة وذخائرها والآليات والمعدات العسكرية والمعدات شبه العسكرية وقطع الغيار الخاصة بها، سواء كانت هذه المعدات من أرضها أو لم تكن. ب - تسليم أي كيان أو فرد موجود في لبنان أي تأهيل أو وسيلة تقنية مرتبطة بتسليم أو انتاج أو صيانة أو استخدام المعدات المذكورة في الفقرة أ السابقة. وتلبية لطلب الحكومة اللبنانية التي تريد نشر قوة دولية لمساعدتها على ممارسة سلطتها على كامل الاراضي اللبنانية، تجيز الفقرة 12 من القرار ذاته لقوات الطوارئ الدولية اتخاذ الاجراءات اللازمة في كل القطاعات التي تنتشر فيها قواتها، والعمل عندما ترى ذلك ممكناً في حدود امكانياتها.



وكما تمت الإشارة الى ذلك آنفا، لم ينفذ بعد طرفا النزاع اتفاق وقف إطلاق النار بالكامل ولا تاليا الموجبات التي ينص عليها القرار رقم 1701 الذي يشكّل الأساس المرجع لهذا الاتفاق، اذ يتم التذرع تارة بتفسيرات هجينة لا تتطابق مع المعنى القانوني الدولي الحقيقي لنص القرار المذكور ولا مع المدى التطبيقي الذي اراد مجلس الأمن رسم اطاره بموجب القرار نفسه، وتارة اخرى بعدم الزامية تنفيذ هذا القرار لأسباب واشكاليات تتعلق بترسيم الحدود اللبنانية البرية مع اسرائيل وبمزارع شبعا وببقاء القوات الاسرائيلية في خمس نقاط استراتيجية من التلال اللبنانية المحاذية.



ثانيا: في إشكاليات التفسير والتنفيذ التي يطرحها القرار رقم 1701

بناء على ما تقدم، لا بد من معالجة بعض التفسيرات الغريبة التي اعتمدتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة السابقة بالتكافل والتضامن مع حزب الله والتي ما زالت مستمرة حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار الأخير وفي ظل حكومة نواف سلام الجديدة، وأهمها اشكالية التفسير المتعلق بالنطاق أو بالمجال الجغرافي للقرار رقم 1701 والاشكالية المتعلقة بآليات وصيغة تنفيذ القرار.


أ: في اشكالية التفسير المتعلق بالنطاق الجغرافي للقرار رقم 1701

تمنّع حزب الله وما زال عن تنفيذ بنود القرار رقم 1701 بعدم اجلاء كامل لمقاتليه وأسلحته الثقيلة والخفيفة ولعتاده من المنطقة العازلة معتبرا على مدى سنوات طويلة أن تواجده هناك هو تواجد لأهالي القرى وأبنائها، فلم تتمكن والحالة هذه الحكومات السابقة من فرض سيطرتها الكاملة على هذه المنطقة ومن نزعها من السلاح غير الشرعي، ما أدى الى متابعة اسرائيل طلعاتها الجوية فوق لبنان مخترقة السيادة اللبنانية ومتجاهلة أحكام القرار رقم 1701 بحجة مراقبة تحركات حزب الله وأسلحته ضمانا لأمنها. وما زال هذا الوضع على حاله حتى يومنا هذا وبعد توقيع اتفاق الهدنة الأخير ودخول قوات الجيش اللبناني منطقة جنوب الليطاني مجددا، اذ لم يتم التأكّد حتى اليوم من نزع سلاح حزب الله بالكامل في هذه المنطقة ومن انسحاب كل مقاتليه منها، كما أن الحزب ما زال يرفض تسليم سلاحه المتواجد في باقي المناطق اللبنانية أو بما يسمى بالسلاح غير الشرعي شمال منطقة الليطاني، ما يعطي ذريعة ثمينة لإسرائيل وما يسمح لها، وفقا لاتفاق الهدنة المذكور، بالإبقاء على قواتها في بعض نقاط المراقبة في التلال اللبنانية الحدودية وبالقيام بعمليات وغارات عسكرية جوية في الأجواء اللبنانية.


وأمام عجز الحكومات اللبنانية المتعاقبة عن القيام بواجباتها المنصوص عليها بالقرار رقم 1701، تابع حزب الله تسلحه بحرية تامة من دون أية رقابة تذكر ومن دون أن تقوم السلطات اللبنانية الشرعية بمهامها لوضع حد لهذا الوضع المتفلت والذي يخالف بشكل فاضح ليس فقط أحكام القرار رقم 1701 وانما أيضا وخصوصا بنود القرارين الدوليين رقم 1559 ورقم 1680. وتبريرا لعدم احترام بنود القرار رقم 1701 وباقي القرارات الدولية، أعطت بعض الأطراف اللبنانية وما زالت وعلى رأسها ما يسمى بالثنائي الشيعي حزب الله-أمل، بالتضامن والتكافل مع كل الحكومات اللبنانية السابقة والمتعاقبة منذ سنة 2006 ، تفسيرا هجينا لبنود القرار رقم 1701 معتبرة أنه لا يطبق الا في المنطقة العازلة من جنوب لبنان وليس في المناطق الأخرى، ما يتعارض تماما مع صراحة وصرامة أحكام الفقرات 2 و 3 و8 و 10و 12 و 14 من القرار التي تنص ليس فقط على نشر القوات المسلحة اللبنانية في كل جنوب لبنان وانما أيضا على كامل الأراضي اللبنانية. أضف الى ذلك، أن هذه التفسيرات المستغربة وغير القانونية يقدمها اليوم ليس فقط الرئيس بري وبعض المسؤولين في حزب الله، وانما أيضا نائب رئيس الحكومة الحالية طارق متري الذي تراجع عن موقفه بعد أن كان قد أكّد بتاريخ العاشر من آذار 2025 «بأن ليس هناك روزنامة زمنية لسحب سلاح الحزب وانه على الرغم من ان البيان الوزاري ينص على واجب الدولة احتكار حمل السلاح، فهو لا يقول متى وكيف سيتحقق ذلك".



تهدف هذه المواقف الاعتباطية الى تنفيذ مجتزئ للقرار رقم 1701 والى وضع تصورات تنفيذية مخالفة لمضمون فقراته يحافظ بموجبها الحزب على ابقاء السلاح غير الشرعي في مناطق اخرى من لبنان غير المنطقة العازلة أو حتى أيضا ضمنها، مما يخالف ما جاء في متن القرار رقم 1701 وبشكل لا يقبل أي تأويل أو تفسير حيث نص صراحة في الفقرة الثالثة منه على أن " من الضرورة أن تبسط الحكومة اللبنانية سلطتها على كل الأراضي اللبنانية طبقاً لبنود القرارين رقم 1559 (2004) ورقم 1680 (2006) ولبنود اتفاق الطائف ذات الصلة، لممارسة سيادتها بشكل كامل وبما يؤدي إلى عدم وجود أي سلاح بدون موافقة الحكومة اللبنانية وعدم وجود أي سلطة غير تلك التي تمارسها الحكومة اللبنانية". وهذا النص يناقض تماما كل التفسيرات التي تريد حصر نطاق تطبيق القرار رقم 1701 في منطقة محددة فقط، ويعني أيضا أن القرار المذكور، وكذلك اتفاق وقف اطلاق النار المنبثق عنه والموقع بتاريخ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، يوجبان على الحكومة اللبنانية تطبيق أحكامهما ليس فقط في جنوب لبنان وانما على كامل الأراضي اللبنانية عن طريق تجريد كل المنظمات المسلحة اللبنانية وغير اللبنانية من سلاحها بما فيها حزب الله ومنع التسلح وشراء وبيع الأسلحة ومراقبة ضبط كل المعابر والحدود اللبنانية والمرافئ والمطار وطلب مساعدة ومواكبة قوات الطوارئ الدولية من أجل الوصول الكامل لهذه الغاية التي نص عليها القرار رقم 1701 ذاته .



ب: في الاشكالية المتعلقة بآليات وصيغ تنفيذ القرار رقم 1701


• الآليات والصيغ السابقة والحالية: تعطيل مستمر لتنفيذ بنود القرار رقم 1701

من الثابت ان النقاط السبع انطلقت من المقترحات التي حددها رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة أمام المؤتمر الدولي في روما بتاريخ 25 تموز/يوليو 2006، وأيدها مجلس الوزراء في حينه بالإجماع. غير أنه وعلى الصعيد الميداني، أعقب طرح موضوع الخطة اللبنانية وصدور القرار رقم 1701 وانسحاب القوات الإسرائيلية الى ما وراء الخط الأزرق مضايقات واعتداءات تعرضت لها قوات اليونيفيل في الجنوب اللبناني على يد مقاتلي ومناصري حزب الله تحت غطاء ما سمي بردة فعل أهالي قرى الجنوب، وكان ذلك بهدف منع القوات الدولية من القيام كما يجب بمهامها المرسومة لها ببنود القرار رقم 1701. ويبقى الأهم ان حزب الله أنكر وجود النقاط السبع الواردة في خطة الحكومة وتنصل منها بالرغم من انها كانت قد اقرت في مجلس الوزراء بالإجماع وبحضور وزرائه آنذاك، ما أدى الى تعطيل مفاعيل هذه النقاط وبالتالي الى تعطيل تنفيذ القرار رقم 1701. ويستمر حزب الله بهذا الموقف عبر تنصله حاليا من تطبيق بنود وقف إطلاق النار الذي وقعه مع إسرائيل برعاية أميركية وبموافقة الحكومة اللبنانية السابقة والحالية، اذ أنه يرفض حتى الآن تسليم سلاحه معتبرا أن هذا الاتفاق كما نص القرار رقم 1701 لا يشملان سلاح الحزب المتواجد شمال منطقة نهر الليطاني. وتابع الحزب خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار ولنص القرار رقم 1701 مهددا اللبنانيين بسلاحه في قلب العاصمة بيروت، ومعتديا على قوات الطوارئ الدولية بتاريخ 15 شباط 2025 في منطقة مطار رفيق الحريري الدولي، وقاطعا الطريق الدولية في هذه المنطقة وغيرها من الأحياء الآمنة في بيروت، ما شكّل جرائم حرب وفقا للتوصيف الذي أسبغه الأمين العام للأمم المتحدة على هذه الاعتداءات.


وكما ذكرنا سابقا، تشير الفقرة العاشرة من القرار رقم 1701 الى اقتراحات "لترسيم حدود لبنان الدولية، خصوصاً في المناطق حيث هناك نزاع أو التباس حولها، بما في ذلك مزارع شبعا وكفرشوبا". غير أن هذه الاقتراحات لم تُنفّذ منذ ذاك الوقت، فيما لا تزال تصدر التقارير الدورية عن الأمين العام للأمم المتحدة حول تطبيق القرار رقم1701، من دون تقديم أية اقتراحات. أضف الى ذلك أن الحكومات اللبنانية المتعاقبة السابقة خضعت جميعها لإملاءات حزب الله وسلاحه باعتباره، وفقا لبياناتها الوزارية، مقاومة مشروعة من حقها تحرير مزارع شبعا وكفرشوبا والقرى اللبنانية السبع، وبوضع معادلة هجينة غير دستورية سميت" بجيش شعب ومقاومة"، ما أعطى لإسرائيل ذريعة لاستمرار خروقاتها الجوية وانتهاك السيادة اللبنانية. هذا مع العلم، وكما سنرى لاحقا، ان الدفع بلبنانية مزارع شبعا وباعتبار حزب الله مقاومة لبنانية شرعية كسببين لعدم تنفيذ بنود القرار رقم 1701، لا يستقيمان قانونا لا وفقا لمدرجات هذا القرار ولا وفقا لشروط ومواصفات أحقية المقاومة المعترف بها بأحكام القانون الدولي.



• صيغة البيان الوزاري لحكومة نواف سلام

يذكر لهذه الناحية أن البيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام حصر المهمات الدفاعية والسيادية وموضوع السلاح بالدولة والدستور والتزامات لبنان حيال القرارات الدولية من دون أي ذكر لـ"المقاومة" الذي أسقط من البيان للمرة الأولى منذ أكثر من عشرين سنة.


ورغم صراحة هذا البيان لجهة حق الدولة في احتكار حمل السلاح واسقاط ذكر "المقاومة" من نصه كما ذكر ثلاثية " شعب، جيش، مقاومة" التي اعتمدتها البيانات الوزارية السابقة، فان استعمال البيان لصيغة ملتبسة بالإشارة الى " التزام الحكومة، وفقا لوثيقة الوفاق الوطني المقرة في الطائف، باتخاذ الإجراءات اللازمة كافة لتحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على أراضيها " والى «حق لبنان في الدفاع عن النفس ... والى الدعوة الى مناقشة سياسة دفاعية متكاملة كجزء من استراتيجية أمن وطني"، قد يعيدنا الى المربع الأول ويترك الباب مفتوحا أمام العديد من التفسيرات والـتأويلات التي تعطي بعض المنظمات المسلحة وخصوصا حزب الله حق الاستمرار في حمل السلاح غير الشرعي بحجة الدفاع عن لبنان، اذ أن كلمة لبنان قد تشمل ليس فقط الدولة اللبنانية وانما أيضا أية مجموعة لبنانية أو الشعب اللبناني بكل مكوناته أو ببعض مجموعاته وطوائفه. كان الأجدى والأصح أن يستخدم البيان تعابير " الدولة اللبنانية" لا غير مكان كلمة " لبنان".


ان هذه العبارات المعتمدة في متن البيان والتي تعطي لبنان حق الدفاع عن النفس هي من باب لزوم ما لا يلزم ولا تعود على الدولة اللبنانية بأية فائدة طالما أن هذا الحق تضمنه شرعة الأمم المتحدة لكل دولة بصورة لا لبس فيها. يضاف الى ذلك أن لا فائدة ولا لزوم لإن ينص البيان على "التزام الحكومة اللبنانية باتخاذ الإجراءات اللازمة كافة لتحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي..."، اذ أن هذا الأمر يدخل في نطاق حق الدولة اللبنانية في بسط سيادتها على كامل التراب اللبناني بواسطة قواتها المسلحة الشرعية الذي شدد عليه البيان مرات عدة كما فعل خطاب القسم. يضاف الى ذلك أن تعابير " اتخاذ الإجراءات اللازمة كافة" قد يفسرها البعض وخصوصا حزب الله بأنها تشمل إجراءات المقاومة الشعبية المسلحة. وما يزيد أيضا في رداءة نص البيان لهذه الناحية وفي إشكاليات التفسير التي قد يطرحها هو دعوته " إلى مناقشة سياسية دفاعية متكاملة كجزء من استراتيجية أمن وطني على المستويات الديبلوماسية والاقتصادية والعسكرية"، اذ لا يجوز للدولة السيدة المستقلة، المتوجب عليها احتكار حمل السلاح وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، أن تناقش استراتيجية دفاعية ما مع أية مجموعة مسلحة غير شرعية وخارجة على القانون والدستور مهما كانت الظروف ومهما كانت الدوافع، والا فان ذلك يشكّل افتئاتا على السيادة اللبنانية وعلى حق الدولة الدستوري في الدفاع وحدها عن الوطن. الاستراتيجية العسكرية الدفاعية الوحيدة الواجب تطبيقها هي استراتيجية الجيش اللبناني التي يضعها وحده وفقا لعقيدته القتالية وأنظمته العسكرية من دون أي تدخل سياسي في هذا الحقل العسكري ومن دون التشاور أو التفاوض بهذا الشأن مع أية منظمة أو مجموعة مسلحة أو حتى حزب سياسي.


• في ذريعة لبنانية مزارع شبعا وكفرشوبا وبقاء القوات الإسرائيلية في خمس نقاط استراتيجية من التلال اللبنانية

فيما خص لبنانية مزارع شبعا وكفرشوبا، وكما تمت اليه الإشارة آنفا، الحكومة اللبنانية نفسها كانت قد أقرت بموجب خطتها التي رفعتها للأمم المتحدة والمؤلفة من سبع نقاط بوضع هذه المزارع بعهدتها الى أن تتم عملية ترسيم الحدود مع إسرائيل وفقا لأحكام اتفاقية الهدنة لعام 1949، ما يعني أنها قبلت بتنفيذ القرار رقم 1701 بمعزل عن قضية لبنانية أو عدم لبنانية مزارع شبعا، وما يشير أيضا الى أن مجلس الأمن قرر تنفيذ هذا القرار من دون ربطه بقضية مزارع شبعا وكفرشوبا التي لم تقر حتى الآن الأمم المتحدة بلبنانيتها طالما أن السلطات السورية لم تقدم لها أي مستند رسمي أو أوراق رسمية تثبت هذا الادعاء. وبناء عليه، لم تأخذ الأمم المتحدة بوجهة النظر اللبنانية وبالخريطة المقدمة من قبل الحكومة، وأعلنت أن إسرائيل قد انسحبت وطبقت القرار رقم 425 كاملًا، وإن مزارع شبعا ليست لبنانية بل سورية وتابعة لمسؤولية الـ «اندوف» (UNDOF) وليس لقوات الـ «يونيفيل» (UNIFIL)، وان هذه القضية تحل بعد ترسيم الحدود اللبنانية وفقا لأحكام اتفاقية الهدنة مع إسرائيل. ويشار، لهذه الناحية، الى أن البيان الوزاري لحكومة نواف سلام الجديدة لم يأت صراحة على ذكر مزارع شبعا وكفرشوبا وتعهد بتطبيق القرار الدولي رقم 1701 كاملا من دون أي اجتزاء أو انتقاء ومن دون ربط هذا التطبيق بمسألة هذه المزارع.



وعلى هذا الأساس تبقى شرعية المقاومة التي دفع بها الحزب وكذلك الحكومات اللبنانية السابقة مشكوك بصحتها القانونية والدولية. فلا يجوز من جهة أولى، التعويل على لبنانية مزارع شبعا وكفرشوبا لتبرير ما سمي بالمقاومة، ولا حتى، من جهة أخرى، على البيانات الوزارية التي شرّعت حق حزب الله بالمقاومة بموجب معادلة ثلاثية خشبية هجينة لا تقوم على أي أساس دستوري أو حتى قانوني، خصوصا وان البيانات الوزارية لا تتمتع لا بقوة دستورية ولا حتى بأية قوة قانونية، اذ أنها لم تصدر لا بموجب قانون عادي عن مجلس النواب ولا بموجب قانون دستوري أدخل تعديلا ما على أحكام الدستور بهذا الخصوص.


• في ذريعة الحق بالمقاومة وفقا للقانون الدولي

أما من جهة أخرى وفيما يتعلق بشرعية المقاومة بالإحالة على القانون الدولي كركيزة لهذه الشرعية، يُعتبر طبعا الحق في مقاومة الاحتلال حقاً أساسياً ومعترفاً به دوليا ضمن الحقوق المشروعة. ويتجلى هذا الحق في قدرة الشعوب التي تعاني من الاحتلال أو من الاضطهاد على الدفاع عن كرامتها وحرية تقرير مصيرها. فالقانون الدولي يؤكد أن المقاومة هي حق مشروع للشعب الواقع تحت الاحتلال، اذ يعتبر ميثاق الأمم المتحدة، حق تقرير المصير من الحقوق الأساسية التي يجب أن تتمتع بها جميع الشعوب. وعليه، فان المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن « ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء "الأمم المتحدة" ، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي... أو إعادته إلى نصابه".


وينتج من هذا النص ومن باقي النصوص الدولية ذات الصلة التي لا امكان لذكرها في هذا المقال لضيق المساحة، ان المقاومة الشعبية تعتبر حقا مشروعا لصد العدوان الذي تقوم به دولة ما ضد دولة أخرى عندما تفقد القوات المسلحة الشرعية للدولة المعتدى عليها قدرتها على رد العدوان وتنهار مقدراتها ومؤسساتها وسلطاتها الدستورية السياسية والعسكرية والادارية في اتحاذ القرارات اللازمة أو في حال استسلام سلطاتها وخضوعها لأوامر الدولة أو القوة المهاجمة وتعاونها معها كما حصل على سبيل المثال يوم استسلمت القوات الفرنسية أمام الغزو الألماني النازي وتم احتلال الأراضي الفرنسية حيث تعاونت حكومة فيشي مع المحتل الالماني، ما برر للمقاومة الشعبية الفرنسية القيام بهجمات مسلحة لتحرير البلاد من الاحتلال الألماني. كما تجوز المقاومة الشعبية المسلحة في ظل الاستعمار والاحتلال من أجل تحرير البلاد وتقرير المصير أو من أجل التحرر من السلطة الوطنية المستبدة التي تنكل بالشعب مستعملة وسائل استبدادية وتعذيبيه منافية للقانون الدولي الانساني والاتفاقيات والعهود الدولية المعنية بحماية حقوق الانسان وأهمها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ) المادة الأولى(.



أما في حالة لبنان، فلا يمكن اعتبار المقاومة المحكي عنها مقاومة شعبية وشرعية بالمعنى القانوني الدولي للكلمة، وذلك للاعتبارات القانونية التالية:

أ‌- لا يمكن قانونا أن نضفي على مجموعة مسلحة كمجموعة حزب الله صفة المقاومة في ظل وجود الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، اذ أن هذه الدولة، وعلى الرغم من تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية لمدة أكثر من سنتين، كانت وما زالت قائمة بكل مؤسساتها الدستورية والأمنية والإدارية والمدنية، وعلى رأسها المجلس النيابي وحكومة تصريف الأعمال التي استقالت بعد انتخاب الرئيس جوزف عون بتاريخ التاسع من كانون الثاني سنة 2025. لذلك فان الجيش اللبناني هو القوة الشرعية الوحيدة التي يعود لها حصرا أحقية الدفاع عن لبنان ضد أي هجوم أو عدوان تحت سلطة وامرة قائد الجيش تنفيذا لقرارات مجلس الوزراء. وهذا ما أكد عليه صراحة البيان الوزاري لمجلس الوزراء الجديد برئاسة العماد جوزف عون. يزاد على ذلك أن الدولة اللبنانية ليست بحالة حرب مع إسرائيل، فهذه الأخيرة لم تعلن الحرب ضد دولة لبنان وانما ضد حزب الله الذي هو من بدأ الهجوم على إسرائيل نصرة لغزة بتاريخ الثامن من تشرين الأول سنة 2023.


ب‌- لا تتمتع مجموعة حزب الله بصفة المقاومة الوطنية والشعبية، اذ أنها لا تمثل كل فئات الشعب اللبناني وانما فئة مذهبية من فئات هذا الشعب وتقوم بأعمال مسلحة وفقا لعقيدة دينية إسلامية معينة وتتلقى سلاحها وعتادها وتمويلها وقراراتها من جمهورية إيران الاسلامية وتنفذ أجندة إيرانية بحتة لا صلة لها بدولة لبنان البتة. علاوة على ذلك، فان الحزب يتخذ قراراته بالحرب بمعزل عن إرادة باقي مكونات الشعب للبناني ودون أن يقيم أي اعتبار للمؤسسات الدستورية والسياسية اللبنانية ولقوى الجيش اللبناني وللأجهزة الأمنية، فهو اتخذ قرار خوض حرب الاسناد لغزة منفردا من دون الرجوع الى الدولة اللبنانية ولا لباقي الأطراف اللبنانية المعارضة لهذه الحرب.


ج- في ذريعة بقاء قوات إسرائيلية في خمس نقاط حدودية استراتيجية

أما فيما خص بقاء قوات إسرائيلية ضئيلة العدد في خمس نقاط استراتيجية واقعة في تلال لبنانية محاذية للحدود الجنوبية مع إسرائيل بهدف المراقبة، فان هذا الأمر يدخل صمن نطاق اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين طرفي النزاع برعاية أميركية وبرضى الحكومة اللبنانية حيث تمت الموافقة على تمديد أمد هذا الاتفاق الى ما بعد فترة الستين يوما والذي لم تُحترم بنوده بالكامل من كلا الطرفين. فحزب الله لم يسلم بعد للجيش اللبناني كل أسلحته ولا حتى خرائط الأنفاق العسكرية ولا مخازن الأسلحة كلها الموجودة تحت الأرض في منطقة جنوب الليطاني، كما أنه ما زال يتمنع عن تسليم ترسانة أسلحته وأعتدته وصواريخه ومدافعه الموجودة في باقي الأراضي اللبنانية معتبرا أن بنود القرار الدولي رقم 1701 لا تشمل منطقة شمال الليطاني، ما يعطي ذريعة ذهبية لإسرائيل كي تتابع طلعاتها الجوية في كل الأجواء اللبنانية وتقصف أهدافا عسكرية تابعة لحزب الله وتبقي حتى قواتها في النقاط الخمس من التلال اللبنانية الى أمد غير مسمى.


د- ان حزب الله لا يعتبر حركة مقاومة شعبية شرعية على الصعيد الدولي وانما منظمة إرهابية، اذ أن العديد من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وضعته رسميا على القوائم الوطنية والدولية للإرهاب واتخذت عقوبات ضد عدد لا يستهان به من مسؤوليه وأفراده، حتى أن الاتحاد الأوروبي يدرس جديا مسألة تصنيف الحزب بالإرهابي، ولا ننسى طبعا أن أربعة من مسؤولي هذا الحزب تمت ادانتهم بداية واستئنافا بجرائم إرهابية ومنها اغتيال رئيس حكومة لبنان السابق رفيق الحريري بموجب حكم قضائي دولي نهائي اكتسب قوة القضية المحكوم بها.



ثالثا: في القوة التنفيذية للقرار رقم 1701 وفي الإجراءات العملية الواجب اتخاذها لتطبيق بنوده وبنود القرارين رقم 1559 ورقم 1680

• تحت أي فصل من ميثاق الأمم المتحدة يندرج القرار رقم 1701؟ أهو الفصل السادس أم الفصل السابع؟



لا بد من التأكيد، على هذا الصعيد، على أن كل القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن تعتبر ملزمة للدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة وذلك عملا بأحكام المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة التي صيغت بصورة عامة بحيث أنها لا تميز بين قرارات صادرة تحت الفصل السادس وأخرى تحت الفصل السابع، فهي تنص على أن: « يتعهد أعضاء "الأمم المتحدة" بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق هذا الميثاق". لكنّ ما يفرّق بين القرارات الصادرة تحت الفصل السادس وتلك الصادرة تحت الفصل السابع هو أن القرارات الصادرة بموجب الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة تقترح حلا سلميا للنزاع ولا تتضمن أي إجراءات أو تدابير لوضع حد لخطر يهدد الأمن والسلم الدوليين، بينما أن القرارات الصادرة تحت الفصل السابع تفترض وجود حالات أو أعمال عدائية تهدد فعلا الأمن والسلم الدوليين وتتضمن اما توصيات يدعو بموجبها مجلس الأمن المتنازعين للأخذ بما يراه ضرورياً أو مستحسناً من تدابير مؤقتة لوضع حد للخطر الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته وذلك عملا بأحكام المواد 39 الى 41 من الفصل السابع، واما اللجوء، في حال رأى أن التدابير المؤقتة المذكورة والمنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض أو ثبت أنها لم تف به، الى استعمال القوة واتخاذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه.


بناء على ما تقدم، نؤكد بأن القرار رقم 1701 يندرج تحت الفصل السابع، تطبيقا للمواد 39 الى 41 منه، كونه يشدّد صراحة في مقدمته على أن الوضع في لبنان يشكل تهديدا للأمن والسلم الدوليين ويفرض على الأطراف المتنازعة اتخاذ تدابير ملزمة أشرنا اليها أعلاه ومن شأنها وضع حد لهذا الخطر واللجوء الى استعمال القوة. وعليه فان القرار رقم 1701 يعتبر قرارا ملزما لكل أطراف النزاع ويتمتع بقوة تنفيذية مطلقة عملا بالفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة.


وبما أن بنود هذا القرار لم تنفذ بعد بالكامل وبقيت ورقة ميتة منذ أن ولدت، لاسيما وانه وعلى الرغم من اتفاق الهدنة الموقع بتاريخ 27 تشرين الثاني 2024، لم ينفذ حزب الله بعد كل الموجبات الملقاة على عاتقه والناتجة عن هذا القرار وخصوصا تلك المتعلقة بتسليم ترسانة سلاحه للجيش اللبناني وجميع الأنفاق ومخازن الأسلحة، وكان وقد أكد رئيس المجلس النيابي نبيه بري على هذا الرفض بتاريخ الرابع من آذار 2025 بقوله حرفيا في حديث لصحيفة الديار إن لبنان «لن يقبل أي محاولات لمقايضة المساعدات بشروط سياسية أو عسكرية، سواء أكانت متعلقة بسلاح المقاومة شمال الليطاني أو غيره من الملفات الداخلية». وعليه، يبدو واضحا أنه حتى تاريخ اليوم لم تنفذ الحكومة اللبنانية كل مدرجات القرار رقم 1701 لاسيما منها المتعلقة بنزع سلاح حزب الله في كل أنحاء لبنان وبالكامل وليس بنيتها نزع هذا السلاح وفقا لما صرح به مؤخرا نائب رئيسها طارق متري، وان حزب الله يستمر برفضه تسليم هذا السلاح وبمحاولاته ادخال الأموال والأسلحة المرسلة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية الى لبنان. زد على ذلك ان الحزب يتابع ترميم بنيته العسكرية وشبكات اتصالاته في القرى المدمرة جزئيا متحديا الدولة اللبنانية، وهذا ما وثقّته محطة ال أم.تي.في بتاريخ السادس من آذار 2025. وعلى هذا الصعيد، لا بد من التأكيد على أنه لا يجوز ربط عدم تطبيق القرار رقم 1701 في الداخل اللبناني بعدم الانسحاب الكلي للقوات الإسرائيلية، اذ أن أحكام القرار المذكور والقرار رقم 1559 ووثيقة اتفاق الطائف تلزم بتجريد المنظمات المسلحة في الداخل اللبناني بمعزل عن انسحاب أو عدم انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان. فمسألة ضرورة انسحاب القوات المحتلة تعالجه الحكومة اللبنانية بوسائلها الديبلوماسية التي يقررها مجلس الوزراء أو بواسطة المواجهة العسكرية فيما لو قرر مجلس الوزراء خوض الحرب ضد القوات الإسرائيلية لإلزامها بالانسحاب من النقاط الخمس اللبنانية.


وعلى هذا الأساس، واذا ما استمر حزب الله بتحدي الدولة وبرفض تسليم ترسانة أسلحته للجيش اللبناني وفي حال تلكؤ الحكومة اللبنانية أو اخفاقها القيام بواجباتها لتطبيق بنود القرار رقم 1701 ولا سيما منها المتعلقة بتجريد المجموعات المسلحة من سلاحها ومن ضبط الحدود البرية والبحرية ومن وقف تدفق الأموال والأسلحة غير الشرعية الى الداخل اللبناني، يصبح من واجب مجلس الأمن، عملا بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أن يلجأ الى تطبيق أحكام المادة 42 من الميثاق وأن يقرر بأن الإجراءات المتخذة لتنفيذ مدرجات القرار رقم 1701 ومنها اتفاق وقف اطلاق النار لم تعد تفي بالغرض أو أنها لم تنفذ. ويمكنه اللجوء الى استعمال القوة ووضع لبنان تحت حماية دولية مؤقتة الى أن يستعيد عافيته وتتمكن قوات لبنان المسلحة من بسط سيطرتها وسيادتها على كامل التراب اللبناني.


ولا بد من الإشارة أخيرا الى أن القرارين رقم 1959 ورقم 1680 لم يصبحا، كما يقول الرئيس بري وراءنا، وانما أمامنا وهما يندرجان في نطاق تنفيذ مبدأ قانوني أساسي يقوم على ضرورة استمرارية قرارات مجلس الأمن وترابطها فيما بينها بصورة تكميلية لاسيما عندما تتعلق كلها بحالة معينة في بلد معين، كما أنهما يندرجان ضمن الموجبات التي وضعها مجلس الأمن على عاتق الدولة اللبنانية والتي لم ينقطع يوما عن تذكير الحكومات اللبنانية المتعاقبة بضرورة تنفيذها. لذا ينبغي على الحكومة اللبنانية الإسراع بتنفيذ مدرجات هذه القرارات الدولية والقيام بواجباتها ووقف عمليات الالتفاف على أحكام القرار رقم 1701 قبل فوات الأوان وخصوصا قبل صدور عقوبات أميركية أو حتى دولية قد تؤدي الى الحاق الضرر بالاقتصاد اللبناني والى اعاقة اعادة الاعمار وانطلاقة العهد الجديد ومنعه من تنفيذ الوعود التي أعلن عنها لاسيما في خطاب القسم.  




*أستاذ القانون الدولي الجنائي والقانون الجزائي الخاص في جامعة ستراسبورغ- فرنسا

مستشار في المحكمة الجنائية الدولية- لاهاي

محام عام أسبق في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان

محام عام أسبق في فرنسا