لطالما دفع الكرد ثمن الجغرافيا التي لم تنصفهم، من سوريا إلى العراق، فتركيا وإيران، وظلّوا على مدى عقود يطاردون حلم إقامة دولتهم الذي لم يتحقق. ويبدو أن كرد سوريا تخلّوا عن هذا الحلم وأدركوا أن التعنّت السياسي سيُكلّفهم الكثير في لحظة تشهد تغيّرات جيوسياسية متسارعة. وبالتالي، فإن العوامل التي أدّت إلى توقيع الاتفاق بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) كثيرة، من دعوة زعيم "العمّال الكردستاني" عبدالله أوجلان حزبه إلى حلّ نفسه وإلقاء السلاح، إلى تحولات السياسة الأميركية تجاه سوريا وتراجع المظلّة الأميركية لـ "قسد"، فحوادث الساحل السوري التي أثبتت أن مشاريع التقسيم لم تعد تجد آذاناً صاغية.
من هنا، جاء هذا الاتفاق التاريخي بعد شهرين من المفاوضات بين الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي، ليخدم بلا شك وحدة سوريا التي يُنادي بها الشرع في مواجهة مشاريع التمرّد والتقسيم، ويعدّ مكسباً استراتيجياً وعسكرياً واقتصادياً كبيراً للحكومة السورية الجديدة. ولكن هل يمكن اعتبار هذا الاتفاق أيضاً مكسباً حقيقياً لـ "قسد" خصوصاً وكرد سوريا عموماً؟
بموجب الاتفاق الموقع سيحقق كرد سوريا حلم الجنسية والمواطنة لمَن حرموا منها عقوداً، كما سيتمكّنون من الاحتفاظ ببعض المناصب البلدية أو المناصب التشريعية للتمثيل الكردي، بالإضافة إلى وضع إطار دستوري لحقوقهم الثقافية، فيما يعدّ البند الأهمّ من هذا الاتفاق، انضواء واندماج "قسد" ضمن مؤسّسات الدولة السورية.
العضو السابق في برلمان كردستان العراق وعضو "الحزب الديمقراطي الكردستاني" عبد السلام برواري، يرى في الاتفاق الموقّع مكسباً لسوريا الجديدة ولـ "قسد" على السواء. فهذا الاتفاق يخدم بناء سوريا الجديدة الموحّدة التي لا يمكن أن تتحقق بوجود حالة ذاتية "شاذة" تمثلها "قسد" في شمال شرق سوريا، ويتعارض مع إرادة سوريّة داخلية، كما إرادة عربيّة ودولية لبناء سوريا الجديدة. ويؤكد برواري أن الاتفاق مكسب لكرد سوريا عموماً، فللمرّة الأولى في التاريخ يحصل اتفاق رسمي موقّع، يعترف بحقوق الكرد المدنية والثقافية ويعترف بهم كجزء لا يتجزأ من النسيج السوري، هم الذين شُكّك بهم ونُظر إليهم على مدى عقود على أنهم مجرّد مهاجرين.
لكن يبقى على "قسد"، بحسب برواري، أن تخطو خطوة ثانية تجاه الأحزاب الكردية الأخرى الموجودة في سوريا، والعمل معها على رؤية مشتركة أو مشروع موحّد يضمن دورهم وانضواءهم في المجتمع والدولة السوريين.
أمّا المتشائمون بنجاح هذا الاتفاق فكثر، وبما أن الشيطان يكمن في التفاصيل، على الإدارة السورية، برأي برواري، الاستعجال في تنفيذ معظم بنود هذا الاتفاق، لقطع الطريق على أي عوامل قد تعكّر صفو الاتفاق وتنفيذه كاملاً.
"ليس للكرد من صديق سوى الجبال"، مثلٌ كردي قديم يعبّر عن حال الخذلان التي عانى منها الكرد على مدى عقود، بعدما لم تنصفهم جغرافيا وهبوا لها حياتهم. إلّا أنهم اليوم في سوريا قرّروا مجابهة خيبات التاريخ والجغرافيا بجرأة، رافعين راية الدولة السورية، فهل تنصفهم أخيراً هذه الدولة فتكون لهم "الصديق" الذي لم يجدوه يوماً ولم يكونوا لها مواطنين حقيقيين قلباً وقالباً؟