يوم تركت لبنان للمرّة الأولى في العاشر من كانون الثاني من العام 1984، كانت الحرب اللبنانية قد دخلت عامها العاشر. كان عاماً صعباً على لبنان الذي عانى موجاتٍ من العنف خلّفت دماراً في المدن والبلدات، وتفكّكاً في بنية الدولة والمجتمع. في ذلك الوقت، قرّرتُ أن أطوي صفحة من عمري لأفتح أخرى عنوانها الذهاب إلى باريس بغية متابعة دراستي في الدكتوراه في إحدى كبرى جامعات فرنسا، "جامعة بيار وماري كوري" التي عادت لتحمل، اليوم، اسم "جامعة السوربون". ثلاثة وثلاثون عاماً أمضيتها في هذه الجامعة العريقة التي دخلتها تلميذاً، ثم استمررتُ مدرّساً فيها وبروفيسوراً ومديراً لمركز الأبحاث العلميّة، وأخيراً نائباً لرئيسها.
الغربة عن البلد الأم مرحلة شاقّة، إذ كل خطوة وكل دقيقة زاخرة بالحنين. فتصبح الغربة حلبة يتصارع فيها ألم البعد وأمل المستقبل. ولكن، منذ اليوم الأوّل، كنت مسلّحاً بالثقة بنفسي وبقدراتي، ومتيقّناً أنّ لا شيء ينفعني إلّا النجاح.
الاستحقاق الأوّل كان إيجاد غرفة أسكن فيها بعدما أمضيت عشرة أيام تائهاً في شوارع باريس. فصودف أن قرأت في جريدة "France-Soir" المسائية إعلاناً عن غرفة للإيجار في ضاحية باريس الجنوبيّة في مدينة "شاتني - مالابري" (Chatenay – Malabry) على بعد 30 كيلومتراً عن جامعتي في باريس.
في اليوم التالي، ذهبتُ لمقابلة السيدة مونييه (Mounier) صاحبة المسكن. وإذ بي قبالة سور كبير يتوسّطه باب خشبي كُتِبَ عليه "Les Murs Blancs" أي "الجدران البيضاء". لم أكن أدري أنّ خلف ذاك الباب الصغير، يقطن أباطرة في الفلسفة والفكر. ستّ عائلات ارتضت أن تعيش في مكانٍ واحد وتتشارك في الأفكار والحياة. وأسهمت في جَعْلِ "الجدران البيضاء" مختبراً فكريّاً وروحيّاً حيث طبعت كتاباتهم ونقاشاتهم وتأملاتهم حول المسائل الاجتماعية والسياسيّة والفلسفية، تاريخ القرن العشرين.
استقبلتني السيّدة بوليت مونييه (1991-1906) (Paulette Mounier) أرملة الفيلسوف الفرنسي الكبير إيمانويل مونييه (1905-1950) (Emmanuel Mounier) الذي يعدّ من مؤسسي "التيّار الشخصاني الفلسفي" (le personnalisme)، والذي توفي في الرابعة والأربعين من عمره إثر نوبة قلبيّة حادة.
لقد كرّست السيدة مونييه نصف قرنٍ من عمرها لنشر أفكار زوجها ومؤلّفاته من خلال جمعية "أصدقاء إيمانويل مونييه". كذلك أسّست مكتبة تحمل اسم الفيلسوف الراحل وتحتوي على جميع كتاباته ومنشوراته، علاوةً على جميع أعداد مجلة "Esprit" التي أسّسها في العام 1932. لقد أضحت تلك المكتبة مرجعاً لأولئك الذين اتخذوا عمل الفيلسوف الشخصاني موضوع أبحاثهم. فكانوا يأتون من أصقاع الأرض من أجل الاطّلاع على كتاباته.
بوصلة أخلاقية
"الشخصانية"، كما شرحتها لي السيّدة مونييه، هي فلسفة تتمحور حول شخص الإنسان على اعتبار أنه قيمة أساسيّة وجوهريّة، تسعى إلى التوفيق بين البُعدَين الروحي والاجتماعي للوجود الإنساني.
خلال محادثتنا يومذاك عن الوضع السائد في لبنان، أذكر جيداً حين قالت إنّ "الشخصانية" هي بوصلة أخلاقيّة تصلح جيّداً لمواجهة التحديات المعاصرة، ولا سيّما الصراعات بين المجتمعات المتعددة.
داخل "الجدران البيضاء" حديقة رائعة تمتد على مساحة 10 هكتارات فيها أشجار معمّرة وفسحات خضر ملأى بالأزهار. وسط هذه الحديقة، فيلّا مبنية بالحجر الأبيض الجميل ومكوّنة من ثلاث طبقات يقطنها كل من الفيلسوف والمفكّر جان ماري دوميناك (1922-1997) (Jean-Marie Domenach) وعالم النفس والفيلسوف بول فريس (1911-1996) (Paul Fraisse) وأخيراً السيدة مونييه .
وعلى بعد 100 متر عن الفيلّا، قصر أصفر أشبه بقلاع الملوك الفرنسيين في منطقة اللوار الفرنسية. في هذا القصر البديع، كان يعيش آنذاك الفيلسوف بول ريكور (1913-2003) (Paul Ricoeur)، أشهر فلاسفة القرن العشرين. علمتُ لاحقاً أنّ الفيلسوفين المؤرخين هنري مارو (Henri Marrou) وجان بابولين (Jean Baboulene) قد سكنا هذا القصر قبل وفاتهما، وقبل مجيئي إلى هذا المكان.
عند مدخل حديقة " الجدران البيضاء"، إلى جهة اليمين، بناء قديم، ربما كان مخصّصاً للناطور. درجه الخشبي العتيق يقودك إلى غرفتَين، الأولى مكتبة إيمانويل مونييه الشهيرة، والثانية التي لا تتجاوز الثمانية أمتار مربعة باتت مسكني. كنت أسير هذه الغرفة المتواضعة طوال أربعة أعوام، حتى انتهائي من مناقشة أطروحتي حول الرنين المغناطيسي النووي وتطبيقاته في الهندسة البتروليّة، في 9 تشرين الأول من العام 1987.
لقد كنت محظوظاً، أنا الطالب الجامعي الآتي من خلفية علميّة، إذ عشت مع هؤلاء المفكرين المتواضعين، ساكني "الجدران البيضاء" وتحدثت إليهم.
أقوى من المضايقات
إنّ المعجزة، إذا جاز لي أن أقول ذلك، هي أنّ العلاقات المتوتّرة أحياناً بين سكان "الجدران البيضاء"، لم تفسد للودّ قضية، فقد ظلوا هناك معظم حياتهم حتى بعد اختفاء مونييه، وهو الاختفاء الذي كان من الممكن أن يعجِّل في نهاية مغامرة لم تكن قد بدأت. لكنّ الأمر لم يكن كذلك، إذ اتضح لي أنّ ما يربط سكانها بعضهم ببعض أقوى من مضايقات الحياة اليومية، أو العداوات الحادّة جدّاً في أحيان كثيرة.
أما الشخص الأحبّ إلى قلبي فكان بول ريكور الذي كنت أزوره وزوجته سيمون لوجاس (Simone Lejas) في بعض الأمسيات. أذكر جيّداً الحزن الذي غمرهما لدى وفاة ولدهما أوليفيه منتحراً في العام 1986. وهو قلّما كان يتردّد إلى منزل والدَيه. قلت له مرّة ما أجمل أن يكون للإنسان أب فيلسوف، فأجابني بأنه كان بحاجة إلى أب وليس إلى فيلسوف.
ندم
على الرغم من الصعوبات التي كابدتها طوال السنين الأربع، بقي مروري في "الجدران البيضاء" محطة غنيّة في حياتي. في تشرين الثاني من العام 1987، تخلّيت عن غرفتي تاركاً جزءاً مؤثّراً من ذاكرتي وذكرياتي. ولم أزرها منذ ذلك الحين. مرّات، أشعر بالندم لعدم زيارتي مجدداً هذه الجماعة الطيّبة التي توفي أفرادها تباعاً. آخرهم بول ريكور الذي فارق في العام 2005. وبغيابه أسدل الستار على حقبة مشعة أغنت فرنسا والعالم فكريّاً.
المحزن حقّاً هو أنّ هذه العائلات التي جاءت طوعاً إلى مشروع حياة مشتركة، في بيئة كاثوليكية يساريّة، لم تنجح في نقل هذا المشروع إلى أولادها. إنها قصة عائلية، لا بل قصة إنسانية، شغلت المفكّرين والأنظمة والحركات السياسية والإصلاحية في القرن العشرين، لكنها تهاوت إلى النسيان. لم يتركوا لورثتهم سوى أصول ذات قيمة عالية جدّاً في الأراضي والعقارات .
آخر الزوّار
في نهاية هذا المقال أود أن أستذكر آخر زوّار الفيلسوف بول ريكور عام 1999، وهو طالبٌ في "معهد العلوم السياسيّة" المرموق في باريس أتى ليعمل كمساعد للنشر عندما كان ريكور بصدد تأليف كتابه "الذاكرة التاريخ النسيان" . كان يدعى إيمانويل ماكرون.
* نائب رئيس جامعة السوربون سابقاً