تشهد سوريا تحولات سياسية وأمنية كبيرة، ولا سيّما بعد توقيع اتفاق تاريخي بين القوات الكردية والحكومة السورية لدمج "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في الجيش الوطني. يهدف الاتفاق إلى إعادة المناطق الغنية بالنفط في شمال شرق البلاد إلى سيطرة الحكومة، مع ضمان حقوق الأقليات.
هذا الاتفاق يخفف الضغوط على الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، كما يهدف إلى تحقيق الاستقرار في سوريا، رغم التحديات المستمرة، مثل وجود القوات المدعومة من تركيا وجماعات مسلّحة تعرف بـ "فلول النظام"، إلى جانب قوات خارجية.
موقف "الإدارة الذاتية" من "الإعلان الدستوري"
في هذا السياق، أوضح ممثل "الإدارة الذاتية" لشمال وشرق سوريا في لبنان، المحامي عبد السلام أحمد، أن اعتراض "مجلس سوريا الديمقراطية" (مسد) والأحزاب السياسية و"الإدارة الذاتية" الديمقراطية على "الإعلان الدستوري" الصادر عن الحكومة السورية الموَقتة في دمشق يعود إلى "عدم تلبيته تطلّعات الشعب السوري من خلال دستور يتشارك الجميع في كتابته ويعبّر عن التنوّع القومي والديني والمذهبي".
وفي حديثه لـ "نداء الوطن"، أكد أحمد أن الدستور الحالي "من لون واحد، يعتمد الفقه الإسلامي كمصدر رئيسي للتشريع، ولا سيّما في ما يخصّ تعيين رئيس الدولة، الذي يجب أن يكون مسلماً، في حين أن البند الأوّل من بنود الاتفاق الموقع بيننا وبين الشرع ينصّ على أن تكون التعيينات وفقاً للكفاءة، بغض النظر عن الدين أو المذهب أو القومية".
وشدّد على أن الدستور "لا يستجيب لتطلّعات الشعب السوري بمختلف أطيافه، خصوصاً أن المجتمع السوري متنوّع دينياً ومذهبياً". كما انتقد تفرّد دمشق بالقرارات، معتبراً أنها "تدير وتقرّر من دون إشراك ممثلي بقية المكوّنات السورية في رسم مستقبل البلاد". وأعرب أحمد عن أمله في إعادة النظر في الدستور من خلال تشكيل لجنة جديدة تأخذ بعين الاعتبار ملاحظات جميع المكونات.
دمج "قسد" في الحكومة الجديدة
وحول إمكانية مشاركة "قسد" في الحكومة المزمع تشكيلها، أوضح أحمد أن "من المفترض مشاركة جميع المكوّنات، على ألّا تكون الحكومة قائمة على المحاصصة، بل أن تكون رشيدة وعادلة تحقق الأمن والاستقرار وتمثل الجميع من دون انحياز".
أمّا في شأن دمج "قسد" في الجيش الجديد، فقد أشار إلى أن الأمر يعود إلى اللجان المعنية بالمسائل العسكرية، موضحاً أن "قسد" قد تكون "ضمن أركان الجيش السوري، خصوصاً أنها لعبت دوراً رئيسياً في محاربة الإرهاب، ويجب الحفاظ على قدراتها القتالية وهيكليّتها، مع ضمان خصوصيّتها داخل الجيش". وأبدى استعداد "قسد" "للاندماج في مؤسّسات الدولة السورية، لتكون جزءاً من الجيش السوري الجديد".
كما اعتبر أن الاتفاق الموقّع بين الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي يمثل "خارطة طريق نأمل في أن تتكلّل بالنجاح، فهو اتفاق جيّد يُمهّد الطريق أمام السوريين للوحدة، والكرة اليوم في ملعب الحكومة في دمشق، التي يجب أن توقف العمليات القتالية في كافة أنحاء البلاد، وتضغط على الحكومة التركية لوقف هجماتها عبر الفصائل الموالية لها".
محاربة "داعش" ودعوة أوجلان
نوّه أحمد بالدور المحوري الذي لعبته "قسد" في محاربة تنظيم "داعش"، مشيراً إلى أن "المجتمع الدولي، كما حكومة دمشق، معنيّون بالبت في مصير مقاتلي "داعش" المحتجزين في المخيّمات، ولا سيّما في مخيّم الهول الذي يضمّ عناصر من جنسيات مختلفة".
كما اعتبر أن الانهيار السريع للنظام السوري السابق كان غير متوقع، مضيفاً أن فصائل تابعة للجيش التركي استغلّت هذا الوضع وهاجمت مناطق كردية، مثل تل رفعت ومنبج، ما أدّى إلى انسحاب القوات الكردية بالتنسيق مع الأميركيين والأتراك. وأشار إلى أن "الجيش التركي لا يزال يستخدم القصف المدفعي وسلاح الطيران ضدّ مقرّات "وحدات حماية الشعب" الكردية و"قسد".
وحول المبادرة التي أطلقها الزعيم الكردي المسجون عبدالله أوجلان، أكد أحمد أن "هذه ليست المرّة الأولى التي يدعو فيها القائد أوجلان إلى وقف إطلاق النار ووضع السلاح جانباً، فقد بدأ بذلك منذ عام 1993". وأضاف أن أوجلان طلب هذه المرّة "وقف القتال طالما أن الأتراك مستعدّون للحوار"، داعياً الشعب التركي إلى "المطالبة بإطلاق سراحه، لأنه يُمثل القرار السياسي لمعظم الكرد". كما توقع أن "يتم إمّا الإفراج عن القائد أوجلان، وإمّا وضعه تحت الإقامة الجبرية".
المساعدات الدولية والتحدّيات المستقبلية
وفي ما يتعلّق بالمساعدات الدولية، علّق أحمد على المبادرة الأوروبّية التي خصّصت نحو 6 مليارات دولار لمساعدة الحكومة السورية في إعادة الإعمار، قائلًا: "نحن ندعم أي مساعدات للشعب السوري ونرحّب بها، ولكن نأمل في أن تصل إلى مستحقيها وتُوزع بعدالة، بما في ذلك في المناطق الكردية، إذ إنه في عهد النظام السابق، لم يكن يصل منها إلّا القليل".
ورغم تفاؤله بمبادرة السلام التي أطلقها أوجلان، فقد أكد أحمد أن "وضع السلاح جانباً لن يكون بهذه السهولة، إذ يتطلّب عقد مؤتمر يحضره أوجلان نفسه بين أنصاره، وهو أمر غير ممكن حالياً".
واختتم حديثه بالتحذير من أن "الوضع في المنطقة لا يزال غير مطمئن، وما حدث أخيراً على الحدود السورية - اللبنانية يُعطي إشارات غير مريحة"، معرباً عن مخاوفه من "انزلاق المنطقة إلى صراع طائفي مفتوح".