راشيل علوان

حلم البقاء في الأرض رغم الجحيم

الغزّيون يواجهون التجويع ويرفضون التهجير

3 دقائق للقراءة
أهل غزة يعيشون حرباً من نوع آخر (رويترز)

إنه زمن أبواب الجحيم المشرّعة على مصاريعها في قطاع غزة، المدينة المدمّرة أصلاً، تسقط مرّة جديدة في النار الإسرائيلية، فيعيش أهلها أو من تبقى منهم أحياء أطول أيام القتل والتدمير واللاإنسانية. هو الجحيم على أرض محروقة، يعيشه الغزّيون يومياً، فهم ما لبثوا أن التقطوا بعضاً من أنفاس الحياة لشهرين تقريباً مع سريان اتفاق وقف إطلاق النار الهش، حتى أتتهُم الصفعة الإسرائيلية مرّة ثانية، لتقول لهم إن استراحة المحارب ممنوعة على من ولِدَ وعاش في هذا القطاع.


بعيداً من حرب النار والمسيّرات والغارات، أهل غزة يعيشون حرباً من نوع آخر هي حرب التجويع والتعطيش والتهجير، فلا مواد غذائية أساسية تدخل إلى القطاع عبر معبر كرم أبو سالم المُغلق أمام حوالى مليونين ونصف المليون غزّي، ولا يملكون أيّاً من مقوّمات الحياة والغذاء داخل القطاع، فأسواقه المتبقية ليس فيها لا مياه ولا سكّر أو طحين ولا زيت ولا لحوم، أسواق شبه فارغة إلّا من المواد المرتفعة الأسعار بفِعل الحصار المتجدّد، أسواقٌ تنادي ولا من يسمع أو يُلبّي النداء.


وضعٌ إنساني معقّد جدّاً لا يمكن وصفه ولا يُطاق، هو الوضع الحالي لأهل غزة كما ينقله لـ "نداء الوطن" الصحافي الفلسطيني طارق دحلان، فيؤكد أن الناس حالياً يعيشون في وضع أقلّ ما يقال عنه إنه كارثي بلا أي من مقوّمات الحياة ولا الغذاء ولا المال، لافتاً إلى أن أكثر من 90 في المئة من أهل غزة بلا عمل، فقدوا مصدر رزقهم. أمّا عن الدمار، فهو شبه كامل لحق بالمنازل والمستشفيات والمدارس والبنى التحتية، حتى صارت المواصلات والتنقل شيئاً من الأحلام بالنسبة إلى الغزّيين. ومن يريد أن يتنقّل في الشوارع المدمّرة كمَن يتنقّل فوق طين ورمال متحرّكة لا يعرف متى يغرق فيها.


وها هي آلة القتل الإسرائيلية تدفع بأهل القطاع سنوات وسنوات إلى الوراء، وها هم بدل السيارات يستخدمون العربات التي تجرّها الحيوانات، أو يستبدلون الوقود المفقود من القطاع بزيت الطهي لتشغيل المركبات. أمّا عن الخيم فالحديث يطول، الآلاف منها مهترئة، بحسب دحلان، بفِعل عوامل الطقس، وهي على كلّ حال لا تقي لا من برد الشتاء ولا من حرّ الصيف ولا تجد فيها أيّاً من مقومات الحياة الإنسانية.


أمام هذا المشهد الذي يفوق قدرة العقل على استيعابه، وبغياب أي رادع لنتنياهو وجيشه، الغزّيون في حالة ترقب دائم يسألون ماذا بعد؟ هل يصبح تهجيرهم أمراً واقعاً؟


"لا نترك غزة رغم القصف والتجويع والتعطيش"، هذا لسان حال الغزّيين كما ينقل دحلان، المتشبّثين بأرضهم وحقّهم، رغم تخوّفهم من محاولات فرض أمر واقع جديد يدفعهم مرغمين للهجرة إلى دول الجوار، فالجميع مؤمن، بحسب دحلان، بوجود خطّة دولية لجهة السيطرة على القطاع وتهجير أهله كما السيطرة على حقول الغاز قبالة شاطئ غزة، ولكن رغم ذلك، الكلّ متجذر بأرضه ويرفض رفضاً قاطعاً التصريحات من هنا وهناك حول تهجير الفلسطينيين.


"الكلّ له حياته في غزة وباقون فيها إن شاء الله"، هذا ما يؤكد دحلان كما يؤكد الغزّيون الصامدون جميعهم، لكن هذه الحياة أضحت "شبه حياة" اليوم يتمسّك بها أهل غزة كمَن يتمسّك ببصيص نورٍ في ظلمة حرب الإبادة الإسرائيلية. حربٌ تغيّر وجه غزة وترسم معالم شرق أوسط جديد، فهل يصمد الغزّيون هذه المرّة أيضاً ويصمد معهم حلم البقاء في الأرض، أم ستجري الرياح كما تشتهي سفن نتنياهو؟