نداء الوطن

البلاد بحاجة إلى خطّة تنموية شاملة وإصلاحات سياسية

هل يكون "مؤتمر بروكسل" مفتاح إنقاذ الاقتصاد السوري؟

5 دقائق للقراءة
عقد مؤتمر بروكسل الأسبوع الماضي في توقيت مهمّ جدّاً (رويترز)

في ظلّ التحدّيات الاقتصادية الخانقة التي تواجه سوريا بعد سنوات من الحرب والدمار، يأتي "مؤتمر بروكسل" ليطرح تساؤلات حول مدى قدرته على إحداث تغيير حقيقي في المشهد الاقتصادي السوري. فمع استمرار العقوبات والتباطؤ في إعادة الإعمار، تتجه الأنظار إلى الدعم المالي الموعود، ومدى إمكانية تحويله إلى مشاريع تنموية تساهم في إعادة الحياة إلى الاقتصاد السوري المتعثر.


في حديث لـ "نداء الوطن"، يقول الأكاديمي والباحث السوري في الشؤون الاقتصادية الدكتور معروف الخلف: "جاء مؤتمر بروكسل في توقيت مهمّ جدّاً في ظلّ انحسار الدعم والتمويل في دولة مثل سوريا، التي باتت ذات اقتصاد هش وضعيف جدّاً نتيجة التدمير الكبير بعد خروج النظام البائِد منها. لذلك، فإن المؤتمر من الممكن أن يوفر الدعم المالي لتحسين الاقتصاد والبنية التحتية الاجتماعية وتعزيز التعاون من خلال اللقاءات الدولية وبناء شركات مع الدول المانحة لدعم الاستقرار الاقتصادي في سوريا، وهذا الأمر يعتبر هدفاً أساسيّاً للمؤتمر، ما يُساعد على فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية وعودة رأس المال الوطني صاحب دور الكبير".


وعن التحدّيات التي تواجه سوريا اقتصاديّاً، يوضح الخلف أنها تنقسم إلى قسمَين، الأوّل يكمن بتحدّيات اقتصادية تصيب بنية الاقتصاد السوري وهيكليته، مثل زيادة معدّل الفقر والبطالة والأمن الغذائي، حيث بلغ الفقر معدّلات تبلغ أكثر من 90 في المئة، بحسب تقارير منسقي الاستجابة. الأمر الآخر، أن البطالة وصلت معدّلاتها إلى 88.4 في المئة. وهناك عملية استغلال الموارد الاقتصادية، سواء النفط أو الغاز والفوسفات، حيث لا تزال هذه الموارد خارج الخدمة ولم تتم الاستفادة منها بالشكل الصحيح، فقسم منها لم يوضع في خزينة الدولة والقسم الآخر لم يستغلّ بشكل كبير نتيجة أعطال تحتاج إلى صيانة مستعجلة.


أمّا في ما يخصّ التحدّيات على المستوى الخارجي، فهي إعادة الإعمار بعد الحرب التي تسبّبت بدمار واسع في البنية التحتية، فكلفة إعادة الإعمار هي بين 350 و400 مليار دولار، وهي كلفة كبيرة جدّاً وبحاجة إلى استثمارات ضخمة، إذ إن مدناً دمّرت بأكملها. والعامل الثاني هو العقوبات الاقتصادية المُكبّل الكبير للحركة في سوريا، سواء كانت الأوروبّية أو الأميركية، مع الأخذ بالاعتبار أن العقوبات الأوروبّية خُففت إلى حدّ ما، لكن العقوبات الأميركية لا تزال قائمة وتضغط بقوّة على الاقتصاد السوري، وما زالت تشكّل عائقاً وحاجزاً أمام جذب الاستثمارات الطويلة، وفق الخلف.


من جهة أخرى، يؤكد الخلف أن المساعدات الدولية المقدّمة عبر هذا المؤتمر كانت خجولة وبلغت قيمتها 5.8 مليارات دولار، الاتحاد الأوروبي ساهم بـ2.5 مليار دولار والباقي من ألمانيا والمملكة المتحدة وبعض الدول الأخرى، ولكنها ليست فقط مخصّصة لسوريا، إنّما لدول الجوار أيضاً، مثل تركيا ولبنان والأردن والعراق. لذلك، فإن فعاليّتها المالية لن تكون من ناحية حجمها، إذ إن هناك مجموعة عوامل تؤثر على فعالية المساعدات، مثل العقوبات التي تعيق وصول تلك المساعدات وغياب التوافق بين الدول حول مستقبل سوريا، ما يحدّ من قدرة المساعدات على تحقيق تقدّم مستدام.


وعن موقف الدول المانحة من إعادة الإعمار في سوريا، يشرح الخلف أن "موقفها يتّسم بالحذر والتردّد، وذلك نتيجة جوانب عدّة، منها الاعتبارات السياسية، حيث تشترط الدول المانحة تحقيق تقدّم في العملية السياسية والانتقال الديمقراطي قبل الالتزام بتمويل المشاريع، مثل "الإعلان الدستوري" الذي كان له دور كبير في تحقيق ذلك، بالإضافة إلى السلم الأهلي وإقناع المجتمع الدولي بأن سوريا تنحو شيئاً فشيئاً نحوه. كذلك، فإن العقوبات تجعل الجهات المانحة متردّدة في دفع الأموال إلى سوريا، حيث أنها تركّز على المساعدات المستعجلة للأشخاص والمواطنين بدلاً من تمويل مشاريع إعادة الإعمار الكبرى، ورأينا أن المشاورات والحوارات بين بعض الدول كانت تتركّز حول التمهّل بعودة السوريين إلى ديارهم، حتى تكون الأمور واضحة وتتوفر البيئة الآمنة أكثر فأكثر".


وعمّا إذا كان هناك تحوّل في النهج الدولي تجاه الملف الاقتصادي السوري، يوضح الخلف أن هناك إشارات تدريجية يمكن لمسها تتوجّه نحو دعم الاستقرار الإقليمي، حيث بدأت بعض الدول تدرك أهمية دعم الاقتصاد السوري في خطوة لدعم الاقتصاد في المنطقة والجوار، وهناك دعوات لتعزيز التعاون بين سوريا والدول المجاورة في ما يتعلّق بالطاقة والتجارة ومساعدة قطر لسوريا بالتغدية الكهربائية عن طريق الأردن.


ويختم الخلف أنه لتحقيق استدامة اقتصادية لا بدّ من اتخاذ حزمة من الخطوات والإصلاحات، منها وضع خطّة تنموية شاملة خلال ثلاث أو خمس سنوات حتى تطبّق بشكل واقعي، مثل تحديد الأولويات والبنية التحتية كالتعليم والصحة ووجود خطّة شفافة، ما يعزّز الثقة مع الجهات المانحة ويحتاج إلى رقابة صارمة وتقارير دورية حول مدّة الانجاز وكيفية تحقيقه. والأمر الآخر هو الإصلاحات السياسية والاقتصادية، مثل وجود قانون للضرائب والاستثمار ومكافحة الفساد وضمان سيادة القانون ووجود تشريعات وأنظمة. كذلك، التعاون الإقليمي والدولي، كبناء شركات مع الدول المجاورة لتطوير مشاريع مشتركة، وتعزيز دور المجتمع المدني لضمان وصول المساعدات للفئات الأكثر احتياجاً في سوريا.


يبقى السؤال الأهمّ: هل ستترجم المساعدات الدولية والتعهّدات المالية إلى حلول جذرية تدفع عجلة الاقتصاد السوري نحو التعافي، أم أن العقبات السياسية والعقوبات ستظلّ حجر عثرة في طريق إعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي؟