ألين الحاج

غرّيد جحا: إحياء التفاصيل في فنّ "الواقعية المفرطة"

5 دقائق للقراءة

بمهارة استثنائية وموهبة فريدة، أتقنت فن "الواقعية المفرطة - Hyperréalisme" في رسم الوجوه بدقة متناهية، محوّلةً ملامحها إلى تحفة فنيّة تلامس الروح، لا النظر فقط. من التجاعيد التي تروي قصص الزمن، إلى اللّمعان الفريد في العينَين الذي يعكس عمق المشاعر، لوحاتها تأسر الأنفاس. هذه هي روعة الفن الذي تقدّمه غرّيد جحا، مستخدمة قلم الرصاص والفحم بعيداً من الألوان.


"أحبّ وأتقن رسم وجوه العجائز لما فيها من تفاصيل وتجاعيد، وهي من أصعب أشكال الرسوم التي أتحدّى نفسي من خلالها"، تقول الفنانة غرّيد جحا، ابنة الجنوب اللبناني، لـ "نداء الوطن". وتضيف أنّ العيون بالنسبة لها هي العنصر الأكثر تحدّياً: "أركّز في جميع لوحاتي على العيون لأنها مرآة الشخص، ولأنّ لمعة وبصمة العين لا يمكن أن تتشابها مع عين أيّ شخص آخر. بالتالي، إتقان العيون في رسم البورتريه إما أن يُنجح اللوحة أو يُفشلها".



رحلة شغف 

تشير جحا (39 عاماً) إلى أنّ رحلتها مع فنّ "الواقعية المفرطة" بدأت منذ الطفولة، بمجهود شخصي ومن دون دراسة أكاديمية، وأنها اختارت رسم الوجوه العادية غير المعروفة، موضحةً أنها تفضّل "رسم كبار السنّ من الناس العاديين، على المشاهير والسياسيين، لأنّ الوجوه التي تحمل تجاعيد العمر والحكايات الشخصية أكثر تأثيراً بالنسبة لي. فالمشاهير ليس لديهم ما يميّزهم سوى شهرتهم، وغالباً ما يتحوّل رسمهم إلى مجرّد ضجة على وسائل التواصل الاجتماعي، من دون أن يحمل عمقاً حقيقياً".


وتلفت إلى أنّ الخطأ ممنوع في رسم "البورتريه" بسبب التفاصيل الدقيقة، "فأيّ خطأ بقياس الوجه أو العين ينسف الشخص"، لذلك تحتاج إلى صورة للشخص يمكنها الاعتماد عليها "لأنّ ذاكرة الإنسان تتلاشى".


في المقابل، تعترف جحا أنها حاولت التوجّه إلى أنواع أخرى من الرسم، لكنّ أيّاً منها لم يستهوها. وتعزو نجاحها إلى سنوات من التفاني والعمل الدؤوب في "صقل مهاراتها وتحقيق هذا المستوى العالي من الإبداع"، كاشفةً أنّ أقلام الرصاص والفحم "أدوات بسيطة لكنّها مدهشة في قدرتها على نقل الواقع بدقة متناهية".


اللافت أنّ جحا لم تكتفِ برسم الوجوه التقليدية، بل أضافت صوراً لحيوانات في بعض لوحاتها، وأتى ذلك بناءً على رغبة والدتها التي ترى أن الحيوان "يضيف بُعداً عاطفياً للّوحة".



فنّ غير مادي

بغض النظر عن التعب الذي تتكّبده في رسم كلّ لوحة، تدرك جحا تماماً أنّ صورة "ختيار" لا يعرفه الناس لن تستهويهم لشرائها، إلا إذا لامس العمل الفنّي قلوبهم بطريقة ما. لهذا السبب تؤكد أنّ فنّها ليس للبيع أو للربح المادي، بل الهدف الأسمى بالنسبة لها هو إبهار العالم بأعمالها.


وتضيف أنها ترفض الرسم تحت الطلب، لأنّ ما تقوم به انعكاس حقيقي لمشاعرها وتفاعلها مع الصور التي تلامسها، "أرسم فقط من تلمسني صورته وأجد نفسي متأثرة بها". وبينما يتطلّب فن "الواقعية المفرطة" ساعات طويلة من العمل الدقيق، تصل أحياناً إلى 12 ساعة لرسم "بورتريه واحد"، فالرسّامة تجد في هذه العملية، متعة لا يمكن وصفها.


ومن بين جميع أعمالها، تظلّ لوحة القديس شربل الأقرب إلى قلبها، وتقول: "وضعتُ روحي فيها وتملّكني شعور غريب عندما انتهيتُ منها. شعرتُ أنّ بها سراً". كما تكشف أنّ كل من أعطته نسخة من اللوحة "شعر بالراحة التي شعرتُ بها عندما انتهيت من رسمها".


ورغم تفوّقها الفنّي، فإنّ مصدر رزق جحا يتأتّى من عملها كمصمِّمة غرافيك، ما يسمح لها بالاستمرار في رحلة إبداعية تُوازن بين العمل التجاري والفن العميق.



رسالة مستمرّة

هذا النوع من الرسم، يحظى باهتمام أكبر في الخارج ولا يزال غير شائع في لبنان، تقول جحا. وتضيف: "مع ذلك إذا وجدتُ شخصاً يمتلك شغفاً حقيقياً به، فلن أتردّد لحظة في مساعدته". ولأنها من الفنانين الذين يرون في الفن رسالة، تسعى جحا من خلال أعمالها إلى نقل صورة لبنان الحقيقية، لبنان الذي يزخر بالإبداع والثقافة، كاشفةً أنها رسمت العديد من الشخصيات "التي تمثّل الوجه الحضاري للبنان"، مثل فيروز، جبران خليل جبران، ونصري شمس الدين، بالإضافة إلى معاصرين مثل جورج خبّاز وبيار داغر".



نشأة "الواقعيّة المفرطة"


"الواقعية المفرطة – Hyperréalisme" هي أسلوب فني يهدف إلى إعادة تمثيل الواقع بتفاصيل دقيقة، لدرجة يصعب معها تمييز العمل الفنّي عن الصور الفوتوغرافية. بدأ هذا الاتجاه الفنّي منذ العصور القديمة، حيث كان الفنانون يسعون لمحاكاة الواقع في أعمالهم. ثم تطوّر بشكل ملحوظ في العصور الحديثة، وخصوصاً في فرنسا وألمانيا ثمّ بلجيكا، حين نظّم التاجر البلجيكي إيزي براشو عام 1973 معرضاً تحت اسم "Hyperréalisme"، ليصبح المصطلح مرادفاً لهذا النوع الفني. ومع مطلع الألفية الثالثة، شهدت الواقعية فائقة الدقة تطوُّراً ملحوظاً في الولايات المتحدة الأميركيّة وأوروبا، وأصبحت من أبرز اتجاهات الفن المعاصر.



الرسّامة غرّيد جحا



رسم لمار شربل

فيلمون وهبة

فيروز

وائل كفوري

سعيد عقل

صباح

سيّدة وكلب