الياس دمّر

السينما قبل الحرب وفيها وبعدها

عندما انتقل القتال من الشّاشات إلى مُحيط الصّالات

6 دقائق للقراءة




في زيارتي الأولى لوسط بيروت، بعد نهاية الحرب الأهليّة وإزالة رُكام الدّمار، أوَّل ما حاولت عيناي البحث عنه أو عن بقاياه، هو صالات السّينما التي كانت تُعتبر معلماً سياحيّاً ثقافيّاً أساسيّاً في وسط بيروت التّجاري. لكنّ ديناميت الإعمار أزال مُعظمها، لتبقى «البيضة» صامدة! (سينما غومون بالاس)، ذلك التّصميم الهندسي السّاحر، من توقيع المُهندس المعماري جوزيف فيليب كرم، سمّاه البعض «الصّابونة»، وقد تحدّت اللّقبَين الهشَّين لتبقى عالقة في أحضان بيروت، بين أشباح الماضي المُخيف والحاضر المُتأرجح حتّى هذه اللّحظة. وفي ذلك دليلٌ حسيٌّ أخير على ما كانت عليه بيروت قبل اندلاع حرب 13 نيسان 1975، مركزاً لأروع الصّالات السّينمائيّة التي أنارت شاشاتها أهم الأفلام العالميّة.


تغيّر المشهد الثّقافي والفنّي في لبنان عشيّة اندلاع أحداث الـ 75، وخاصّةً السّينمائي منه. فقد تركت الحرب تأثيرات عميقة على الإنتاج السّينمائي من جهة، سواء من حيث الموضوعات التي تناولتها الأفلام، أو البُنية التحتيّة للصّناعة السّينمائيّة. فقبل اندلاع الحرب، شهدت السّينما اللّبنانيّة ازدهاراً نسبيّاً في مواجهة الأفلام الهوليووديّة والمصريّة والهنديّة، لتُقدّم أعمالاً دراميّة اجتماعيّة ناجحة تجاريّاً، مستوحاة من قصص الهجرة والحبّ والغناء. أبرزها الثلاثيّة الرّحبانيّة (بيّاع الخواتم، سفر برلك، بنت الحارس)؛ ولا يسعنا نسيان فيلم «إلى أين؟» للمُخرج جورج نصر، المٌلقَّب بـ «أبو السّينما اللّبنانيّة»، الذي كان أوّل من وضع لبنان على خريطة السّينما العالميّة من خلال مُشاركة فيلمه في «مهرجان كانّ» عام 1957، ليكون بذلك أوّل فيلم لبناني يُقدَّم في هذا المهرجان العالمي العريق. هذا المشهد انقلب تماماً مع بداية الحرب، إذ انعكست الفوضى والانقسامات على الصّناعة السّينمائيّة نفسها.



تصوير الواقع

مع اندلاع الحرب، تعطّلت الهيكليّة السّينمائيّة: أُغلقت دُور العرض والستوديوات، وتوقَّفت عمليّات الإنتاج السّينمائي التّقليدي. السّبب الرّئيسي يعود للانقسام السّياسي والمناطقي، حيث أصبح تصوير الأفلام صعباً، بل مستحيلاً بسبب انعدام الأمن وهجرة العديد من الفنّانين والمنتجين والكُتّاب والمُخرجين.


وفي ظلّ تراجع إنتاج الأفلام التّجاريّة، تطوَّرت تيّارات سينمائيّة جديدة وظهرت موجة من الأفلام الوثائقيّة التي حاولت تسجيل الواقع اللّبناني ومجريات الحرب كأفلام الثّنائي جان شمعون ومي المصري، اللذَين عملا على إنتاج وإخراج أفلام تُوثّق يوميّات الحرب من منظور إنساني. نذكر منها فيلم «بيروت - جيل الحرب» (1989)، حيث رصد الفيلم جانباً من الحرب وهمجيّتها وصمود الشعب اللّبناني وتلاحمه، وتناول تجربة ثلاثة أجيال عاشوا الحرب من داخلها وتأثروا فيها.


وفي غياب الاستكمال والتّجديد لكتاب التاريخ الوطني، يبقى هذا العمل أحد أبرز وأقوى الوثائق المُناهضة للحرب في تلك الفترة، لتُشكِّل السّينما عبر عدسة العديد من المُخرجين الشّباب، الذاكرة الأهم لآثار الحرب على بيروت وسكّانها.



سينما المنفى مع بغدادي

أدَّت هجرة العديد من المخرجين اللّبنانيّين للعمل خارج البلاد، إلى ظهور «سينما المنفى»، حيث ركَّزت أفلامهم على مواضيع الهويّة، الاغتراب، وتأثير الحرب عليهم كمهاجرين. ويبرُز في هذا الجانب المخرج المبدع مارون بغدادي الذي قضى معظم مسيرته بين باريس وبيروت.


من فيلمه الأوَّل «بيروت يا بيروت» (1975) عن أربعة شباب يعيشون في لبنان بين عامَي 1969 و 1970 ضمن انعكاسات الواقع العربي أيامها عليهم، إلى فيلم «حروب صغيرة» (1982) الذي صوَّر قصص حروب شخصيّة خلال الحرب الأهليّة، وختاماً مع فيلمه «Hors La Vie»، عام (1991)، عن مُصوّر فرنسي يُحتجز كرهينة في بيروت، وقد أصبح الفيلم اللّبناني الأوّل الذي يحوز جائزة من «مهرجان كانّ السّينمائي الدّولي» (جائزة لجنة التحكيم). وفي كل مرَّة أزور مجدّداً سينما بغدادي من خلال مُشاهدة أحد أفلامه، أو عند خوض نقاش حول أسلوبه الإخراجي المُتميّز، أتذكَّر قراءتي مقابلته مع المجلّة السّينمائيّة «PREMIERE» في عدد تشرين الثاني 1990، عندما صرَّح: «لبنان الذي غادرتُه لا يزال في حالة حرب ولا يزال فيه واقع. لقد أردتُ أن أقوم بتصوير مُعاكس (faire le champ-contrechamp) لِما كان يحدث هناك. ومن خلال ثقافتي، أستطيع أن أتحدث عن الوضع من الداخل. في الوقت نفسه، أنا لا أعيش هناك بعد الآن، لذلك يمكنني التقاط الزاوية المعاكسة للموضوع». وأروع ما يُبرزه فيلمه الأخير، هو أنّ جميع اللبنانيين هم في الواقع رهائن في بلدهم، لأنهم لم يختاروا هذا الوضع، كما لو كان يحكي في استعارته تلك عن واقع حالنا القريب، آملين أن يُصبح بعيداً، بعيداً جدّاً.



أفلام المصالحة والانطلاقة الجديدة

مع نهاية الحرب، حاول العديد من المُخرجين إعادة بناء الذّاكرة الجماعيّة من خلال أفلام تكشف تأثيرات الحرب نفسيّاً واجتماعيّاً، ولم تتبدَّد أهميّة هذه الأفلام حتّى اليوم بعد أن أعادت تشكيل الهويّة السّينمائيّة اللّبنانيّة، إذ أصبح الفيلم اللّبناني معروفاً عالميّاً بقدرته على توثيق النّزاعات والتّجارب الشّخصيّة من زوايا فنيّة جديدة؛ كما ظهر في أبرزها، عام 1998 مع فيلم «West Beyrouth» للمخرج الفذّ زياد دويري، الذي اعتمد أسلوب «Coming-of-age story» (نقطة تحوّل الشخصيّة إلى وعي نضوج مُعيّن)، ليُظهر الحرب من منظور شخصي لثلاثة مُراهقين، من دون إثقال بالخطابات الشّخصيّة، كاشفاً بهذا الأسلوب عبثيّة الحرب، بعيداً من مشاهد القتال ومن خلال البحث في التّفاصيل اليوميّة من التنقُّل، وفقدان الرّوتين وانهيار القيم الاجتماعيّة.


إنه سجلٌّ بصريّ دقيق لذاكرة بيروت (خاصّةً في ذلك المشهد المُتخيّل من نافذة المدرسة المُطلّة لحادثة بوسطة 13 نيسان) ومثالٌ رائد على كيفيّة تحويل الألم الجماعي إلى لغة سينمائيّة ناضجة دون التّصويب المباشر على الحرب، بل كيف تتسرَّب الحرب إلى الحياة اليوميّة من دون استئذان. شكَّل هذا العمل انطلاقة جديدة للسّينما اللّبنانيّة، خصوصاً في تقديم قصص شخصيّة ذات طابع عالمي، ما ساعد على إدخال السّينما اللّبنانيّة مُجدّداً إلى المهرجانات السّينمائيّة الدوليّة العريقة!


وبعد كل مُشاهدة، نتمنّى ونقول ونُردّد: «تنذكر وما تنعاد».