"من الحبّ ما قتل"، يجوز هذا القول "بقبلة الموت" التي أفقدت الطفل جوان عينه ورضيعة أميركية حياتها. فيروسات متخفّية بقبلة بسيطة تُطبع على وجه طفل، قد تكلّفه حياته، فكيف نتعرّف إليها، ما سبل الوقاية وهل من علاج؟
لا لتقبيل الرّضع على الوجه عموماً وعلى الفم خصوصاً لأسباب متعلقة بصحتهم وسلامتهم. فالجهاز المناعي ضعيف لدى حديثي الولادة وغير مكتملي النموّ، ما يعرّضهم للإصابة بالعدوى، خصوصاً من قبل بالغ أو طفل أكبر سنّاً يحمل جراثيم وفيروسات لا تسبّب له المرض، لكنها خطيرة جداً على الرّضيع، فتنتقل إليه عبر اللعاب والرذاذ المتطاير في أثناء التقبيل، فضلاً عن طفحٍ جلدي قد يصاب به نتيجة المواد المستخدمة على شفاه المُقبّل كأحمر الشفاه أو المرطّبات.
ويفنّد د. إيلي حداد المتخصص بالأمراض الجرثومية والمعدية في مستشفى "أوتيل ديو دو فرانس"، أنواع الأمراض المنتقلة إلى الطفل عبر القُبل:
- فيروس الهربس البسيط (HSV-1): من أخطر الفيروسات التي يمكن أن تنتقل إلى الرّضيع عبر التقبيل. قد يسبب مضاعفات خطيرة، خصوصاً إذا كان البالغ مصاباً بقرحة باردة ظاهرة أو بفيروس من دون أعراض. لا يوجد علاج شافٍ منه، إنما علاج يقتصر على تخفيف الأعراض وتقليل مدّة النوبات وتكرارها. كما يمكن استخدام أدوية مضادة للفيروسات عن طريق الفم أو الوريد في حالة الإصابة الشديدة التي تتطلّب دخوله المستشفى.
- الفيروس المخلوي التنفسي (RSV): شائع جداً، ينتقل بسهولة عبر الرذاذ، يسبب أعراضاً خفيفة لدى البالغ إنما قد يؤدي إلى التهاب القصيبات والالتهاب الرئوي الحاد لدى الرضّع، ما يستدعي دخوله المستشفى. يرتكز علاجه بشكل أساسي على الرعاية الداعمة لتخفيف الأعراض، أي شرب السوائل للحفاظ على الترطيب، استخدام بخاخات الأنف المالحة لتنظيف الممرات الهوائية، استخدام خافضات الحرارة إذا لزم الأمر. أمّا في الحالات الشديدة، فقد يحتاج الرّضيع إلى دخول المستشفى بهدف تزويده بالأوكسجين وبالسوائل عن طريق الوريد. علماً أن الأدوية المضادة للفيروسات قد تكون فعّالة خلال 48 ساعة من بدء ظهور الأعراض خصوصاً لدى المعرّضين لخطر المضاعفات.
- فيروس الأنفلونزا: ينتشر بسهولة عن طريق الرذاذ المتطاير من الأنف والفم، قد يسبب مضاعفات خطرة أيضاً.
-فيروسات البرد الشائعة (Rhinoviruses): تسبب نزلات البرد، تنتقل بسهولة عن طريق الاتصال المباشر، بما في ذلك التقبيل. يرتكز علاجها على تخفيف الأعراض كالراحة وشرب السوائل واستخدام بخاخات الأنف المالحة واستخدام خافضات الحرارة.
- فيروس إبشتاین بار (Epstein-Barr virus – EBV): يُعرف أيضاً باسم "مرض التقبيل" يصيب عادة المراهقين والشباب إنما يمكن أن ينتقل إلى الأطفال أيضاً. تشمل أعراضه: الحمى والتهاب الحلق والتعب. لذا يرتكز علاجه على الراحة وتخفيف الأعراض وتجنّب الأنشطة المجهدة خصوصاً في حالة تضخّم الطحال.
- الفيروس المضخم للخلايا (Cytomegalovirus – CMV): لا يسبّب عادة أعراضاً لدى البالغين الأصحاء إنما قد يكون خطيراً عند الرضّع، خصوصاً إذا أصيبت به الأم حديثاً أثناء الحمل أو الرضاعة. لا يتطلب علاجاً إلا في حالة الإصابة الشديدة لدى الطفل الذي يعاني من ضعف المناعة، فتوصف له أدوية مضادة للفيروسات.
بالنسبة إلى فيروسات Adenoviruses فتسبب التهابات في الجهاز التنفسي والتهاب الملتحمة، فتتطلّب رعاية داعمة لتخفيف الأعراض. من جهة أخرى هناك البكتيريا العقدية (Streptococcus) التي تنتقل عن طريق اللعاب مسببة التهاب الحلق العقدي. وعلى رغم أنه التهاب نادر عند الأطفال دون 3 سنوات، إلا أن العدوى قد تنتقل إليهم عبر البالغين. يُعالج عادة بالمضادات الحيوية.
أمّا مرض "اليد والقدم والفم" Hand, Foot, and Mouth Disease الذي يصيب غالباً الأطفال، فيمكن أن ينتقل إليهم أيضاً من خلال بالغ حاملٍ للفيروس عبر الاتصال المباشر، خصوصاً إذا كان هذا الأخير مصاباً بتقرّحات فموية. يركّز العلاج على تخفيف الأعراض واستخدام مسكنّات الألم وخافضات الحرارة، والغسولات الفموية المخففة المالحة التي قد تساعد في تخفيف آلام التقرّحات.
انطلاقاً ممّا ذكره، يشدد د. حداد على ضرورة تجنّب تقبيل الرضّع والأطفال الصغار على الوجه والفم، خصوصاً من قبل البالغين الذين يعانون أعراضاً مرضية. ناصحاً الأهل بالاطلاع إلى مخاطر هذه القبلة وعدم الخضوع للضغط الاجتماعي لأن صحة الطفل هي الأولوية، "لا تشعروا بالإحراج، فالتعبير عن الحبّ لا يقتصر على القبلات بل يمكن التعبير بالعناق والاحتضان وملامسة الشعر ومداعبة القدمين واليدين، ومشاركة اللعب والاهتمام، والتواصل البصري والابتسام والتحدث بنبرة محبّة، وغناء التهويدات ما يعزز نموّ الطفل العاطفي"، داعياً إلى وضع حدود واضحة للزوّار عبر مشاركتهم هذه المخاوف طالبين منهم الامتناع عن تقبيل وجه الطفل أو فمه، والتعبير بطرق آمنة خصوصاً إذا شعروا بأعراض مرضية.
ولفت إلى أهمية التطعيم كأحد أهم الطرق الفاعلة للوقاية من الكثير من الأمراض المعدية التي يمكن أن تنتقل إلى الأطفال ومنهم إلى البالغين، مؤكداً ضرورة استشارة طبيب الأطفال عند ظهور أي أعراض، خصوصاً إذا كانت شديدة أو مستمرّة، لأنه المؤهل الوحيد لتحديد الحالة وبالتالي العلاج المناسب. ويوضح خطورة إعطاء أي وصفة طبيّة أو دواء من دون الاستشارة خصوصاً المضادات الحيوية، لأن بعض الأدوية المتاحة للبالغين غير آمنة أو مناسبة للأطفال، "من هنا ضرورة الالتزام بتعليمات الطبيب بدقّة لجهة نوع الدواء وكمية الجرعة وكيفية إعطائه ومدّة العلاج. إضافة إلى مراقبة أعراض الطفل لإبلاغه عن أي تغييرات أو تدهور في الحالة".
خطورة مستحضرات التجميل مستحضرات التجميل والعطور خطرة أيضاً لأن غالبيتها تحتوي على موادّ كيميائية قاسية، وعطوراً اصطناعية، وموادّ حافظة مثل البارابین والفورمالدیھاید، بالإضافة إلى أصباغ قد تكون سامة أو مهيجّة لبشرة الرضّع الحساسة وجهازهم التنفسي النامي. فبشرة الرضّع أرق وأكثر نفاذية من بشرة البالغين، ما يزيد من امتصاص هذه المواد الكيميائية إلى مجرى الدم، مما يؤدي إلى آثار صحية سلبية. كما أن الاستخدام المتكرر لها، قد يجعلها متراكمة في جسمهم على المدى الطويل، فيكون لها آثار غير معروفة. وتشكّل المكوّنات الكيميائية في مستحضرات التجميل مسبباً شائعاً للحساسية عند الأطفال، فتظهر ردود الفعل على شكل طفح جلدي، حكّة، احمرار، تورّم، صعوبة في التنفس. فضلاً عن تهيّج محتمل للأغشية المخاطية في الأنف والفم. |