أنظار العالم برمّته شاخصة اليوم صوب سلطنة عُمان التي تستضيف مفاوضات مفصلية بين الخصمَين اللدودين الولايات المتحدة وإيران، والتي سيكون لنتائجها انعكاسات إيجابية أو تداعيات سلبية كبيرة على منطقة الشرق الأوسط، لا بل على العالم بأسره.
وإذا كان قائد سفينة "العمّ سام" على عجلة من أمره ويتعاطى مع الملفات السياسية الشائكة كرجل أعمال متسرّع، ويصرّ على إجراء مفاوضات مباشرة مع ممثلي طهران، فإن قادة الجمهورية الإسلامية يمضون في مراوغتهم وفي اشتراطهم بأن تكون المحادثات غير مباشرة. فمِن ناحية يريد نظام الملالي الظهور أمام جمهوره، الممتعض سياسياً والمنهك اقتصادياً، بمظهر من لم يركع أمام "الشيطان الأكبر" ولم يجلس إلى الطاولة عينها مع "الإمبرياليين"، ومِن ناحية ثانية يريد التفاوض غير المباشر كسباً للوقت، إذ إن قادة إيران لطالما أتقنوا سياستي "الهروب إلى الأمام" و"دفن الرأس في الرمال"، على أمل أن تحمل الأشهر المقبلة في طياتها تحوّلات دولية ربّما تصبّ في المصلحة الإيرانية. وفي هذا السياق، ذكر موقع "أكسيوس" في الساعات الأخيرة أن إيران تدرس مقترحاً لاتفاق نووي موَقت، قبل مواصلة المفاوضات في شأن اتفاق شامل.
في الأثناء، أعدّت سلطنة عُمان العدّة لتجمع في ربوعها اليوم المبعوث الخاص للبيت الأبيض إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف ورأس الدبلوماسية الإيرانية عباس عراقجي، في وقت يبدّي فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب "سياسة الجزرة" في تعاطيه مع إيران كخطوة أولى، وقد بدا ذلك جلياً في المواقف الأميركية في الأسبوعين الأخيرين التي دعت إلى الحوار مع إيران، بيد أن ترامب لوّح في الوقت عينه بالركون إلى "سياسة العصا الغليظة"، في حال فشل المفاوضات، متحدّثاً عن أمور سيّئة ستصيب إيران.
طهران سلّفت واشنطن
لا شك في أن الرئيس الأميركي الذي خلط الأوراق السياسية العالمية فور دخوله المكتب البيضوي، أثبت أنه رئيس غير تقليدي كما سياسته، فهو نجح في جرّ "إيران المتصلّبة" إلى طاولة المفاوضات في الأشهر الثلاثة الأولى من ولايته، ولا يريد منها إبرام اتفاق نووي فقط، بل يرنو إلى التفاهم معها في شأن صواريخها المؤرقة لإسرائيل وللقوات الأميركية في المنطقة، فضلاً عن تحييد أذرعها التي فقدت بريقها أصلاً مع تهاويها تباعاً تحت وطأة الضربات الإسرائيلية والأميركية القاصمة.
وفي المعلومات، فإن طهران سلّفت واشنطن ورقة تخلّيها عن أذرعها في المنطقة، في مقابل الدخول في مفاوضات معها، وهذا الأمر تُرجم بما نقلته صحيفة "التلغراف" البريطانية عن مسؤول إيراني أن بلاده قرّرت وقف دعمها للحوثيين في اليمن لتجنب الحرب مع الولايات المتحدة، كما بَان في تقرير لوكالة "رويترز" عزم فصائل عراقية تدور في فلك "الجمهورية الإسلامية" تسليم سلاحها للسلطات العراقية الشرعية، درءاً لأي ضربات غربية على العراق، رغم أن صحيفة "التايمز" البريطانية عادت وكشفت أن إيران نقلت صواريخ أرض - أرض بعيدة المدى إلى وكلائها في العراق، يمكن أن يطال مداها دولاً في "القارة العجوز".
لماذا سلطنة عُمان؟
تجتمع عوامل عدّة تجعل من سلطنة عُمان مكاناً مثالياً لجمع الغريمَين الأميركي والإيراني، فلطالما اتّسمت سياسة السلطنة بالحياد، وفي عزّ المقاطعة الدولية لطهران حرصت مسقط على عدم قطع "شعرة معاوية" معها، كذلك عكفت تاريخياً على نسج علاقات دبلوماسية جيّدة مع واشنطن والدول الغربية والعربية، فضلاً عن اعتمادها الصدقية في تعاملاتها الدولية، وحفاظها على استقرارها السياسي الداخلي منذ عشرات السنين، وهذه السياسة أرسى أسسها السلطان الراحل قابوس بن سعيد آل سعيد منذ تولّيه مقاليد الحكم عام 1970.
وتبقى ساعات قليلة فاصلة عن انطلاق مفاوضات حاسمة منتظرة، فهل تتصاعد من سلطنة عُمان طلائع "الدخان الأبيض" التي تَشي بانفراجات مقبلة بين واشنطن وطهران تنعكس إيجاباً على المنطقة بأكملها؟ أم أن "الدخان النووي الأسود" سيكون الغالب، ليفتح الباب أمام "الإدارة الترامبية" على خيارات عسكرية قد تطيح ليس فقط البرنامج النووي بل النظام الإيراني المترهّل؟