لم تكن زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى الإمارات العربية المتحدة قبل أيام، زيارة عادية، بل كانت نقطة تحوّل ضمن مسار دبلوماسي توسّعي، يتكئ من خلالها الإقليم على مقاربة الواقع لبناء "تحالفات متوازنة"، مستنداً في ذلك إلى دعم الاقتصاد، تبادل المعلومات الأمنية، وذلك وفق مدخلات الجغرافيا المتغيّرة في المنطقة.
العارفون بتطلّعات رئيس الإقليم، يؤكدون أن الزيارة إلى الإمارات التي جمعته برئيسها الشيخ محمد بن زايد، "ليست نهاية المشهد، بل بدايته"، خصوصاً أنّها جاءت بتوقيت دقيق وحسّاس في منطقة الشرق الأوسط، حيث تشهد تصعيداً بين طهران وتل أبيب من جهة، ومفاوضات بين إيران وأميركا من جهة أخرى، وكذلك في ظلّ اضطراب ضمن المشهد الأمني العراقي على خلفية إيجاد حل يرضي الغرب بملف "الحشد الشعبي" الذي تنامى دوره كثيراً داخل العراق أخيراً، وكذلك في ظلّ حضور تركي يتمدّد في شمال العراق وسوريا، وإعادة تموضع الأميركي في الشرق الأوسط، يترافق ذلك كلّه مع تنامي دور الوساطة الخليجية في ملفات عدّة مثل الملف الإيراني والأوكراني واليمني واللبناني وغيرها من الملفات.
إذاً، اختار بارزاني لحظة مفصلية لضبط بوصلته صوب الخليج، مستهلّاً ذلك من بوابة الإمارات. في نظر المطّلعين على سياسة أربيل الخارجية، فإنّ أبوظبي ليست مركزاً اقتصادياً فحسب، وإنّما طرف فاعل ومؤثر في المنطقة، استطاعت أن تتموضع على مدى العقد المنصرم في قلب حسابات النفوذ بين طهران والرياض وأنقرة.
ويبدو أن بارزاني يعرف هذه الحقيقة جيّداً، إذ تصف أوساطه النهج المتبع لرسم سياسة إقليم كردستان بأنّه قائم على "التوازن الإقليمي" لفتح قنوات مع دول متناقضة من دون الانحياز لطرف ضدّ آخر، "أولوية الاقتصاد" لجذب الاستثمارات في البنى التحتية والممرّات التجارية، مع اعتماد مبدأ "الدبلوماسية الهادئة" من أجل تفادي التصعيد واعتماد الحوار المباشر طريقاً لتحقيق كلّ ما سبق... وهذا يترافق كذلك مع تكريس "شراكات أمنية" في ملفات مكافحة الإرهاب وحماية أمن الطاقة.
وعليه، فإنّ بارزاني يحاول من كلّ ما سبق، خلق "هوية مزدوجة" للإقليم، بوصفه جزءاً لا يتجزأ من العراق، ولكن ذات "نَفَس" خارجي مستقلّ، مكّنه من طرح نفسه كشخصية أكبر من "رئيس إقليم"، بل "وسيط" أو "شريك محتمل" لأيّ ترتيب خليجيّ مستقبلي للمنطقة.
ومن المعروف أنّ الإمارات تتحرّك ضمن استراتيجية "توسّع ناعم" في العراق، خصوصاً بعد فتور علاقتها مع بعض القوى السياسية المركزية هناك. كما أنّها تدعم مشاريع استثمارية في كلّ من البصرة والموصل وأربيل، ويجمعها بالأجهزة العراقية تنسيق أمنيّ رفيع، بملفات عدّة مثل تمويل الجماعات الإرهابية، ناهيك عن رعايتها لبعض القنوات الخلفية مع طهران ودمشق.
ومن هذا المنطلق، قدّر بارزاني أنّ الإمارات شريك موثوق، يمكن الركون إليه لتفعيل ملف الإعمار واستقطاب الاستثمارات وتنمية البنى التحتية في كردستان. ولهذا، حملت الزيارة دلالات ومؤشرات واضحة على ذلك، برزت من خلال التالي:
- تأكيد دعم الإمارات لاستقرار العراق عبر بوابة أربيل، والاهتمام بدور بارزاني كـ "صوت معتدل" داخل البيت العراقي.
- التمهيد لتوسيع التمثيل الاقتصادي والدبلوماسي بين الطرفين، وذلك من خلال تأسيس مجلس استثماري مشترك مع أبوظبي، وتعزيز التعاون في قطاعات الطاقة المتجدّدة والنقل والبنى التحتية، وتطوير ممرّات برّية وجوّية بين أربيل ودبي وأبوظبي، وكذلك إشراك الأخيرة في مشاريع إعادة الإعمار في مناطق سنجار ونينوى، مع تنشيط المحاور الخليجية - الكردستانية في وجه الاستقطاب الإيراني - التركي المستجدّ.
هذه الخطوات كلّها تؤكد أنّ ما يجمع الإمارات مع إقليم كردستان العراق لم يعد "علاقة مجاملة" أو بروتوكولات دبلوماسية، بل تحوّل بالفعل إلى علاقة شراكة متينة وحقيقية.