باريس - تتجه العلاقات بين فرنسا وإسرائيل إلى رفع منسوب التوتر، خصوصاً مع اتساع نسبة التباين بين الجانبين في شأن قضايا عدّة تتعلّق تحديداً بالصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وذلك بسبب التفاوت في موقفي البلدين من الحلّ السياسي المرتقب، حيث تسعى باريس إلى تحقيق حلّ الدولتين كأفق للحلّ النهائي، وهو ما يعارضه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
كشف مكتب نتنياهو في بيان أن الأخير أبلغ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اتصال هاتفي أمس بأن دولة فلسطينية تُقام على بُعد دقائق فقط من المدن الإسرائيلية ستتحوّل إلى معقل للإرهاب الإيراني، وبأن الغالبية الساحقة من الجمهور الإسرائيلي يعارض ذلك بشدّة، وهذه هي سياسته الثابتة منذ زمن طويل.
يؤكد هذا البيان وجود توتر علني في العلاقات الشخصية بين ماكرون ونتنياهو، بحيث انتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي مراراً مواقف الرئيس الفرنسي، واصفاً بعضها بأنها "أخطاء جسيمة"، بينما لا يتردّد ماكرون في دعوة إسرائيل إلى اتخاذ موقف أكثر اعتدالاً في التعامل مع الفلسطينيين، كما دعا إلى "وقف إطلاق النار والإفراج عن جميع الرهائن وتقديم المساعدات الإنسانية وإحياء آفاق حلّ سياسي على أساس حلّ الدولتين". في السياق، أبدى الرئيس الفرنسي تطلّعه إلى مؤتمر حزيران في الأمم المتحدة الذي سترأسه فرنسا بالاشتراك مع السعودية، "مع مراعاة المصالح الأمنية لإسرائيل وكافة دول المنطقة".
ماكرون يُعارض استمرار الحرب
يُعارض الرئيس الفرنسي استمرار الحرب في غزة مع أنه أيّد بعد 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 حق إسرائيل في الدفاع عن النفس وزار تل أبيب متضامناً، إلّا أنه يرى أن استمرار العملية العسكرية بشكل شامل يؤدي إلى كارثة إنسانية بحق المدنيين، وقد بدأ يضغط على المجتمع الدولي من أجل فرض حلول سياسية، مثل الدعوة إلى وقف النار، وإطلاق سراح الرهائن، بالإضافة إلى فتح المعابر لغايات إنسانية، الأمر الذي يُعارضه نتنياهو في هذا التوقيت الذي يسعى فيه إلى تدمير البنية التحتية لـ "حماس".
وجد ماكرون في قضية غزة فرصة لتأكيد حضور بلاده على الساحة الدولية وإقامة توازن مع الولايات المتحدة، المؤيّدة بالكامل لنتنياهو. يؤكد ماكرون دفاعه عن القيم الإنسانية التي تنادي بها فرنسا وتجعلها إلى جانب الفلسطينيين الذين تريد واشنطن وتل أبيب ترحيلهم، وإلى جانب الصف العربي، خصوصاً السعودية، التي ترفض التطبيع مع إسرائيل قبل ولادة الدولة الفلسطينية.
كذلك، يريد ماكرون أن يُسجّل نقطة في ملعب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي تفرّد بإدارة الملف الأوكراني، مهادناً روسيا على حساب أوكرانيا، ومتجاهلاً الأوروبّيين الداعمين لكييف والمتخوّفين من تمدّد النفوذ الروسي.
نتنياهو يرفض التدخل الفرنسي
يرفض نتنياهو بشكل قاطع أي دور فرنسي بارز في الملف الفلسطيني بسبب عوامل عدة، فهو يعتبر أن المقاربة الفرنسية تؤدّي حتماً إلى تقوية موقف "حماس"، التي لن تتوانى عن استغلال موقف باريس لتتمسّك بورقة الرهائن وتطالب بالتفاوض على إنجاز حلّ الدولتين، كما أن نتنياهو يتخوّف من أن تتوسّع دائرة التأييد للموقف الفرنسي الداعي إلى حلّ الدولتين، ليشمل دولاً غربية، خصوصاً داخل الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي سيُشكّل دعماً لموقف بعض الدول العربية وفي طليعتها السعودية.
لم يغفر نتنياهو لماكرون دعوته إلى وقف إمداد إسرائيل بالسلاح والذخائر، كما يعتبر أن المساعي الفرنسية لعقد مؤتمر دولي في حزيران المقبل، ضمن إطار الأمم المتحدة، قد يؤدّي إلى تغييرات في مواقف الدول الكبرى، وصولاً إلى اتخاذ خطوات أو قرارات أممية تعيد رسم الخريطة الجغرافية، وتؤثر تالياً على شرعية وجود إسرائيل وتمدّدها.
العلاقات بين فرنسا وإسرائيل تسير على نمط تباين المواقف من الحلّ السياسي في الشرق الأوسط، إذ يصرّ نتنياهو على رفض أي دور فرنسي في عملية السلام بسبب مخاوف أمنية، بينما يواصل ماكرون محاولاته للضغط من خلال الدبلوماسية لتحقيق حلّ سلمي يقوم على أساس دولتين، واحدة فلسطينية وأخرى إسرائيلية.