عاد ملف سلاح "حزب الله" إلى صدارة النقاش السياسي في لبنان، إثر الزيارة الأخيرة للموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي ربطت شراكة بلادها مع لبنان بضرورة حصر السلاح بيد الدولة وتنفيذ إصلاحات جذرية. وفي هذا السياق، أعلن رئيس الجمهورية جوزاف عون عن عزمه فتح حوار مع "حزب الله" للتوصّل إلى اتفاق تحت مسمى "استراتيجية دفاع وطني". فيما أكد رئيس الحكومة نواف سلام من بكركي أن ملف السلاح سيُطرح قريباً على طاولة مجلس الوزراء.
في المقابل، يواصل "حزب الله" على لسان قياداته التأكيد على التمسك بالسلاح وخيار "المقاومة"، معتبراً أن الدولة عاجزة عن حماية لبنان، بلغة وأسلوب يتّسمان بالعجرفة والاستخفاف بالجيش وبمؤسسات الدولة.
إنّ هذا الخطاب "الاستهزائي" بالدولة وقدراتها، هو وسيلة للتغطية على إنكاره للهزيمة التي مُني بها، وعنوان لاستمراره بالمكابرة التي لا تعكس حقيقة واقعه الأمني والعسكري. إذ إن الحرب الأخيرة كشفت عن هشاشة منظومته الأمنية أمام الاستخبارات الإسرائيلية، التي لا تزال قادرة على تنفيذ عمليات اغتيال دقيقة تطال قادة وعناصر بارزين من هذا "المُستهزئ".
أما عسكرياً، فقد تمكّنت إسرائيل من تدمير الجزء الأكبر من ترسانة سلاحه ومنظومته القتالية، ما أنهى قدرته على تشكيل تهديد فعلي لأمنها. كما أن هذا "المُتهكّم"، وفي ترجمةٍ واضحة لهزيمته العسكرية، عاد والتزم بالمطلب الإسرائيلي، الذي نقله موفدون دوليون قبل اندلاع الحرب، ويقضي بانسحابه إلى شمال نهر الليطاني.
في خضم النقاش المتصاعد حول مستقبل سلاح "حزب الله"، تتصاعد تحذيرات صريحة ومبطنة من "الحزب"، تشير إلى إمكانية اندلاع حرب أهلية في حال أقدمت السلطة السياسية على اتخاذ قرار بمصادرة السلاح غير الشرعي على كامل الأراضي اللبنانية. هذا التهديد، سواء أكان جدياً أو مجرّد ورقة ضغط، يعكس طبيعة الدور الذي بات يلعبه السلاح.
وإذا ما جرى تقييم وظيفة هذا السلاح بعد الحرب الأخيرة، يمكن استخلاص مجموعة من الحقائق التي تُوضح طبيعته وجدواه:
1- السلاح الذي طالما رُوّج له كوسيلة ردع استراتيجية، لم يعد يشكّل أي تهديد جدّي لإسرائيل. وهذه الورقة التي كانت الأهم لإيران في المنطقة، فقدت فعاليتها وأضحت بضاعة كاسدة لا يوجد من يشتريها على طاولة المفاوضات الإيرانية - الأميركية.
2- أصبح هذا السلاح ذريعة تُوظفها إسرائيل لتبرير استمرارها في احتلالها أراضيَ لبنانية، وتنفيذ عمليات أمنية وعسكرية متكرّرة داخل لبنان.
3- وجود السلاح خارج سلطة الدولة يُعدّ العائق الرئيسي أمام تدفق المساعدات الدولية لإعادة إعمار الجنوب، والضاحية الجنوبية، والبقاع.
4- الأسوأ من كل ما سبق، أن هذا السلاح تحوّل إلى أداة للتهديد بالحرب الأهلية.
إذاً، هذا السلاح يُصنّف اليوم عاطلاً عن الفعالية في وجه إسرائيل، وعدواً فعّالاً للمصلحة اللبنانية بشكلٍ عام، والشيعية بشكلٍ خاص. لذلك طرح الحوار حوله مع "حزب الله" مرفوض. الحوار يعني اعترافاً غير مباشر بدور له، وبشراكة من معه في قرار الحرب والسلم. المطلوب، ليس حواراً حول السلاح، بل قرار بمصادرته على جميع الأراضي اللبنانية، يصدر عن جلسة للحكومة يترأسها الرئيس عون. مع الإشارة إلى أن من يهدّد بالحرب الأهلية، ومن يخضع لهذا الابتزاز، كلاهما على ثقة أن "حزب الله" اليوم أعجز وأضعف من أن يتجرّأ على الاصطدام مع الشرعية والجيش اللبناني.