في عصرٍ سينمائي تُغريه البهرجة والمُبالغة، خصوصاً في أفلام الحركة والمغامرات، يظل المُخرج المُتجدّد Steven Soderbergh، واحداً من القلائل الذين يعرفون أنّ الخوف الحقيقي لا تصنعه الصّدمة، بل الترقّب الذي يسبقه، كما صدمنا في فيلمه الأخير "Presence". والتشويق لا يُقاس بعدد الجثث، بل بما يُقال بين العبارات وعبر النّظرات، كما فعلها في فيلمه الجديد من عالم الجاسوسيّة "Black Bag".
الحبكة
يروي الفيلم قصّة George Woodhouse، وهو عميل في جهاز الاستخبارات البريطاني يُكلَّف الكشف عن جاسوس داخلي يُهدد بإطلاق فيروس إلكتروني قد يُسبّب كارثة نوويّة. المُشتبه بهم خمسة زملاء، من بينهم زوجته Kathryn! فيُقرّر George استضافة الجميع في عشاءٍ منزلي، حيث يُقدّم الطّعام الممزوج بمصل الحقيقة، في محاولةٍ لاستخلاص الأسرار وكشف الخائن، ضمن لعبة شطرنج نفسيّة!
كيمياء مُعقّدة
في دَور العميل السرّي، قدّم Michael Fassbender أداءّ مُتقناً جَمَع بين البرودة والذكاء، مخفياً مشاعره خلف نظاراته السّميكة. وفي دَور زوجته، جسّدت Cate Blanchett شخصيّة غامضة ولامعة، ومُثيرة للشكوك حول ولائها. وعلى الرغم من أنّ الكيمياء تبدو أنيقة ومشحونة بينهما، إلّا أنَّ افتقارها للحرارة العاطفيّة، أفقدها بعضاً من جاذبيّتها. وما زاد من التوتّر المكبوت، واقع الشّخصيّات الباقية، التي يحمل كلّ منها ماضياً مشوّشاً يفضحه المصل.
العبثيّة واللايقين
بين المهارة البصريّة والعمق النّفسي، يؤكّد المُخرج Steven Soderbergh مُجدّداً براعته في تقديم أعمال تحمل أكثر ممّا تقوله كلماتها، طارحاً أسئلة وجوديّة عن الثقة والخيانة والهويّة. من العشاء الذي يرمز في معظم الأحيان إلى التّماسك الاجتماعي الزّائف، إلى المنزل الذي تنهار فيه كلّ الأقنعة، يدفعنا الفيلم إلى استخلاص أنَّ "الحقيقة ليست ما نقوله... بل ما نخفيه حتّى عن أنفسنا!".