مروان الأمين

مِن "التوازن الردعي" إلى "الحالة الصوتيّة"

3 دقائق للقراءة

منذ نشأته، شكّل "حزب الله" أحد الأذرع التنفيذية للسياسة الإيرانية في المنطقة، ولم يتردد يوماً في تقدّم الصفوف عند كل استحقاق يطال مصالح طهران. أما اليوم، وفي خضم المفاوضات الأميركية - الإيرانية المفصلية بين الحل السلمي أو الضربة العسكرية، فيعود "الحزب" إلى ساحة التصعيد السياسي، مؤكداً من جديد وظيفته الإقليمية المتقدّمة في خدمة الاستراتيجية الإيرانية.


لكن هذا التصعيد لا يأتي من موقع قوّة هذه المرّة، بل من قلب زلزال لم تهدأ ارتداداته بعد، نتج عن الحرب الأخيرة التي كشفت عن هشاشة أمنية غير معهودة، أدت إلى ضرب أُسس منظومته العسكرية واغتيال القادة وأمينه العام المُلهم. كما تسببت بخسائر بشرية وميدانية كبيرة، واحتلال أراضٍ لبنانية، واستهداف ممنهج ومستمر لقياداته، الأمر الذي خلق صدمة وإحباطاً، وقلقاً يتزايد داخل بيئته الحاضنة، لا سيما في ظل الغياب الكامل لأي أفق لإطلاق ورشة إعادة الإعمار.


الأخطر أن هذا التصعيد يتم في ظل سلطة سياسية جديدة لا تخضع لقرار "الحزب"، بل تستند إلى خطاب قسم وبيان وزاري يؤكدان بشكل قاطع  حصرية السلاح وقرار السلم والحرب بيد الدولة اللبنانية. لا سيّما أن رئيس الجمهورية يتحدث بوضوح عن أن عام 2025 سوف يشهد حلّاً لمعضلة السلاح، كما أن رئيس الحكومة قد أعلن أن موضوع السلاح سيُطرح على طاولة مجلس وزراء لإيجاد حل نهائي له. كل ذلك يحصل في ظل مواكبة عربية وضغط دولي استثنائي لتعزيز سلطة وسيادة الدولة ومؤسساتها.


لم تعد ذراع إيران الأقوى في المنطقة، التي طالما أثارت قلق المجتمع الدولي وهدّدت دول الجوار، كما كانت في السابق. فـ "حزب الله"، الذي شكّل لسنوات ورقة ضغط استراتيجية في يد طهران، يبدو اليوم عاجزاً، بعد أن نجحت إسرائيل في توجيه ضربات موجعة أفقدته القدرة العسكرية على الرد، ولو بشكل رمزي لحفظ ماء الوجه، على الاغتيالات المتكرّرة التي تطال قادته. كما إن العمليات التذكيرية التي كان يقوم بها في مزارع شبعا، يتأكد كل يوم أنه عاجز عن القيام بمثيلات لها ضد النقاط الخمس المحتلة.


خسارته الغطاء السياسي الرسمي، كما العجز الميداني لـ"الحزب" باتت واضحة، لكن الأخطر عليه أن هذا العجز ليس فقط نتاجاً لتبدّل موازين القوى السياسيّة والعسكرية، بل يعكس تحوّلاً أعمق: مأزق شعبي متصاعد في البيئة الشيعية، وتحديداً في الجنوب. هناك، حيث ما زالت آثار الحرب الأخيرة ماثلة في البيوت المدمّرة والجثامين المفقودة التي لم تُدفن بعد، بات المزاج العام الشعبي، الذي لطالما شكّل درعه الصلب، رافضاً للقيام بأي عمل عسكري ضد اسرائيل. البيئة الشيعية الجنوبية تدرك تماماً أن أي مغامرة عسكرية جديدة، ولو رمزية، ستحمل خسائر بشرية وعمرانية، وتداعيات سياسية أخطر بكثير من الحرب الأخيرة. هذه البيئة، التي ما زالت تؤيد "حزب الله" سياسياً، إلّا أنها تترقب بحذر وقلق مسار الأحداث، وترفض بشكل حازم، وبأكثريتها، إعادة فتح أبواب النار مجدداً عبر الجنوب.


"حزب الله"، الذي لطالما تفاخر بـ"التوازن الردعي"، يجد نفسه اليوم مكشوفاً عسكرياً وسياسياً وشعبياً، في لحظة دقيقة ومليئة بالتحديات من طهران إلى الضاحية الجنوبية. الذراع التي مثّلت طويلاً رأس الحربة في المشروع الإيراني الإقليمي، باتت بنظر دول المنطقة والمجتمع الدولي مجرّد "حالة صوتية". حتى على المستوى الصوتي، أضحت حالة صوتية كاريكاتورية مقارنةً بصوت وتأثير وحضور السيد حسن نصرالله.