ريتا عازار

من كورناي إلى مانزوني

حكاية بابا قرأ العالم بقلب شاعر

7 دقائق للقراءة

في قلب الحياة الثقافية والروحية لبابا الكنيسة الكاثوليكيّة الراحل فرنسيس، كان الأدب ينبض كرفيق قديم، ومرآة تعكس صراعات الإنسان الداخلية، ووسيلة تربوية وروحية لا تنضب. لم يكن الأدب مجرّد ترف فكري، بل أداة لفهم النفس البشرية، وسُبل التواضع، ونافذة نطلّ منها على الآخر وعلى الله. هذه العلاقة الحميمة مع الكلمة المكتوبة تجلّت في تصريحات كثيرة للبابا الذي غادرنا صباح إثنين القيامة في 21 نيسان الحالي ويودّعه العالم قبل ظهر اليوم السبت، من بينها ما قاله للأب أنطونيو سبادارو في العام 2016: «الرواية، الأدب، كما ترى، يقرأ في قلب الإنسان [...] وهو مفيد للوعظ، لأنّ معرفة القلوب أمر مهم».

لم يكن الأدب بالنسبة للبابا الراحل فرنسيس حكراً على قاعات التدريس أو المواعظ الكنسية، بل «رفيق عزلة، وواحة في حرّ ووحدة بعض الأحياء المهجورة»، كما عبّر في رسالة له في 17 تموز 2024 تحت عنوان «دور الآداب في التنشئة». هذا التصوّر الذي يقارب الصوفية في علاقة الإنسان بالكتاب، تجسده مكتبته الشخصية، حيث تصطف أعمال تُعدّ علامات فارقة في الأدب العالمي، وقد شكّلت – على نحو أو آخر – رؤيته للعالم.


من بين تلك الأعمال، «لو سيد» لبيار كورناي، المسرحية الكلاسيكية التي تناولت صراع الواجب والحب، والتي حاول البابا تدريسها لتلامذته في المدرسة الثانوية. ولئن لم تَرق لتفضيلات طلّابه آنذاك، إلا أنّ محاولته لتقريب الأدب «الرفيع» من وجدان الشباب، تدل على إدراكه لأهمية المرونة التربوية وربط النصوص بالواقع المعيشي.



دوستويفسكي والصلاة

أما الأديب الروسي دوستويفسكي، فمكانته عند البابا كانت مهمّة جداً، لا سيّما من خلال رواية «الأخوة كارامازوف». ففيها وجد الحبر الأعظم مفهوماً عميقاً للصلاة، لا كطقس كنسي، بل كتجربة تعاطف وتوغّل في قلوب الآخرين، وشكل من أشكال التواضع الروحي الذي يلامس جوهر الإيمان المسيحي. ولم يكن غريباً أن يستشهد بأعمال دوستويفسكي في عظاته وخطبه، فالأديب الروسي نجح في أن يضفي على الإيمان عمقاً فلسفياً وإنسانياً نادراً.



التأمل الوجودي

هذا الحسّ الإنساني امتدّ إلى أدب مارسيل بروست، وتحديداً كتاب «البحث عن الزمن المفقود». فعلى الرغم من أنّ المسيحية لا تحضر بوضوح في نص بروست، إلا أنّ البابا فرنسيس لمس ذاك الحضور الخفي، تلك الروح المتأمّلة التي تنفذ إلى أعماق الوجود، إذ قال: «الروايات تحرّر فينا، لساعة واحدة، كلّ الأفراح والأحزان الممكنة التي قد نحتاج سنوات في الحياة لنعرف بعضها». وهذا وصف دقيق للقوة التحويلية للأدب، لا بوصفه مرآة للواقع، بل كأداة لاستبصاره وتجاوزه.



لقاء مع بورخيس

ومن قلب الأرجنتين، تطلّ شخصية الأديب خورخي لويس بورخيس، الذي لم يكن فقط كاتباً مفضّلاً، بل زائراً أيضاً في حياة الراهب اليسوعي الشاب. اللقاء الذي جمعهما في سانتا في، وامتد على مدى ثلاثة أيام، شكّل منعطفاً عاطفياً وفكرياً لا يُنسى. وفي كتاب «الآخر»، وجد خورخي ماريو بيرغوليو (البابا فرنسيس لاحقاً) امتداداً لهذا اللقاء، حيث يتجلّى مفهوم الهوية والتعدّد، والمرآة التي تعكس الذات والآخر في آنٍ واحد.


مانزوني والعدالة الإلهية

لا تكتمل هذه الرحلة الأدبيّة، من دون التوقف عند «الخطيبان» لأليساندرو مانزوني، تلك الرواية التي شكّلت وجدان البابا الراحل منذ الطفولة، كما علّمته إياها جدّته روزا عن ظهر قلب. هذه الرواية الإيطالية الكلاسيكية تحمل في طيّاتها بُعداً مسيحياً عميقاً، حيث تُفهم المعاناة كوسيلة للخلاص، وتُرجى العدالة كنعمة إلهية. قال عنها البابا: «أريد قراءتها مجدداً (...) لقد أعطاني مانزوني الكثير». وكأنّ القراءة هنا ليست فقط استعادة للمعنى، بل عودة إلى جذور الإيمان والطفولة واللغة.



الأمل

في سيرته الذاتية «أمل» التي صدرت بلغات متعدّدة في كانون الثاني 2025، أخبر البابا أنّ جدّته روزا أجبرته صغيراً، على حفظ قصائد الشاعر نينو كوستا باللهجة البيمونتية، فضمّن سيرته أحد أبياتها حول المهاجرين الإيطاليين. كما كشف البابا فرنسيس في كتابه أنّ القراءة والكتابة هما صنوان لمسيرة واحدة، مسيرة فهم العالم وتغييره. فبين طيّات الكتب، وفي صفحات ذكرياته، يظلّ الحبر الأعظم قارئاً حقيقياً، وكاتباً للعالم برؤية إنسانية عميقة، تتوسل الأدب سبيلاً إلى الله والناس.



الأدب مرآة تربوية وروحية

لم يُخفِ البابا فرنسيس أنّ خلفيته التربوية كأستاذ أدب عندما كان راهباً يسوعياً في الثامنة والعشرين من عمره، قد ساهمت في تشكيل حسه العميق بالكلمة المكتوبة. فالرواية، في نظره، ليست فقط نصّاً يُقرأ، بل تجربة تُعاش، وبُعدٌ يتجاوز الزمان والمكان ليبلغ جوهر الكينونة الإنسانية.

لقد أدرك مبكراً أنّ الشاب لا يُجبر على محبة النصوص، بل يُرغّب فيها، تماماً كما فعل مع تلامذته في سانتا في عندما سمح لهم بقراءة غارسيا لوركا في الحصص، على الرغم من أنه كان مكلّفاً بتدريس «لو سيد». هذه المرونة التربوية ليست فقط وسيلة لجذب انتباه الطالب، بل فعل محبة واحترام لاهتماماته، وهو ما يعكس رؤية البابا فرنسيس للثقافة: «إنها لا تُفرض، بل تُقترح، وتُزرع كالبذور».


هذا الحس التربوي، رافق البابا لاحقاً حتى في عظاته الدينية، حيث لم يكن يتردد في اقتباس دوستويفسكي أو بروست أو حتى بورخيس لتفسير معنى الصلاة، أو لإضفاء بُعدٍ شعريّ على مفاهيم لاهوتية معقدة. الأدب هنا أصبح امتداداً للمنبر، بل ربما بديلاً عنه أحياناً، حين يعجز الخطاب الديني عن ملامسة ما تمسّه الكلمة الأدبية من عوالم داخلية عميقة. وما ميّز البابا فرنسيس في هذا السياق هو صدقه الثقافي، فهو لم يختبئ وراء نصوص دينية فقط، بل اعترف بتأثير نصوص علمانية، بل ووجودية أحياناً، على رؤيته الروحية للعالم. هذا المزج بين الإيمان والثقافة، بين الروح والعقل، هو ما جعل صوت البابا فرنسيس مختلفاً، إنسانياً، دافئاً، وقادراً على التحاور مع مختلف الحساسيات الفكرية، حتى تلك التي تظن نفسها بعيدة عن الدين.



الذاكرة واللغة والعالم

حين كان البابا فرنسيس يتحدث عن الكتب، لم يكن يفعل ذلك من منطلق ترفي أو أكاديمي، بل من منطلق وجودي خالص. الكتب التي أحبّها ليست مجرد مؤلفات محفوظة في رفوف الذاكرة، بل هي جزر من الحياة، لحظات من التأمل، ودفاتر يوميات غير مكتوبة، بل مقروءة من جديد في كل مرحلة من مراحل حياته. لقد شكّلت هذه الكتب مفاتيح لفهم الذات أوّلاً، ثم الآخر والعالم والرب.

في «الخطيبان» لمانزوني، مثلاً، يرى البابا أنّ المعاناة لا تُفهم إلا في ضوء الخلاص، وأنّ كل ظلم بشري لا بد أن يمرّ عبر عدالة إلهية تتجاوز النظام البشري. هذه الرؤية ليست ناتجة عن تفسير لاهوتي بحت، بل عن تربية روحية تمّت على ضوء الأدب.


واللافت أنّ البابا لم يتعامل مع الأدب كمجرد سرد، بل كحضور. فالراوي، في رؤيته، لم يكن صوتاً بعيداً، بل شخصٌ جالسٌ بجانبك، يهمس في أذنك بحكايات تُشبهك، وتفتح لك دروباً كنت تجهل أنك بحاجة إليها. هذا القرب الأدبي من القارئ هو ما يمنح الأدب دوره التكويني في حياة الإنسان، خصوصاً في عزلة المدن الكبرى، أو في فوضى الحداثة المعاصرة. «في ملل العطلة، في حرّ ووحدة بعض الأحياء المهجورة»، كما قال البابا نفسه، تتحوّل الروايات إلى واحات روحية، تنقذنا من اختيارات متهورة، وتُرشدنا إلى مسارات أكثر إنسانية.


الكتب، إذن، ليست نوافذ للهروب، بل جسور للعودة. العودة إلى الذات، إلى الآخر، وربما، إلى الله. وهذا بالضبط ما جعل الأدب بالنسبة للبابا فرنسيس ليس فقط نشاطاً ذهنياً، بل طقساً من طقوس الحياة نفسها. وهكذا، لم يكن الأدب عند البابا فرنسيس مجرد شغف، بل كان فعل إيمان، ورسالة، وتنشئة.