نايف عازار

طبول الحرب تُقرع بين الجارتين اللدودتين

هل يُكبَح جماح "الجنون النووي" بين الهند وباكستان؟

4 دقائق للقراءة
المعابر البرّية بين البلدين باتت مغلقة (رويترز)

أعاد حادث أمني كبير تحريك "الجمر النووي" تحت الرماد في جنوب القارة الآسيوية، حيث تقف الجارتان النوويتان اللدودتان الهند وباكستان على سلاحيهما منذ عام 1947، بسبب نزاع حدودي تاريخي محوره إقليم كشمير.


الحادث الأمني تمثل بهجوم مسلّح في 22 نيسان الحالي تخلّله إطلاق نار على مجموعة من السياح في منطقة باهالغام، الواقعة في الشطر الهندي من كشمير، وكانت حصيلته 26 قتيلاً وعشرات الجرحى. وفيما تبنت الهجوم جماعة محلية تُطلق على نفسها اسم "جبهة المقاومة" المرتبطة بجماعة "لشكر طيبة"، أشارت الهند بأصابع الاتهام إلى الجيش الباكستاني، وسارعت إلى اتخاذ إجراءات انتقامية بحق جارتها شملت إغلاق المعابر البرّية والمجال الجوي وإلغاء تأشيرات السفر.


وما أثار سخط إسلام آباد، لجوء نيودلهي إلى تعليق العمل بمعاهدة رئيسية لتقاسم المياه، ما قد يؤدي إلى تحويل تدفق مياه نهر السند وحرمان باكستان العَطشى من أهم أنهرها، والذي يُعدّ ثالث الأنهار ضخامةً لناحية التدفق السنوي في شبه القارة الهندية. في المقابل، ردّت الجارة الباكستانية على إجراءات غريمتها الهندية بالمثل كما لوّحت بـ "ردّ رادع" على أي تهديد لسيادتها، معتبرةً أن وقف تدفق مياه النهر الحيوي سيكون سبباً وجيهاً للحرب. وفي هذا السياق، تتهم باكستان جارتها بالوقوف وراء الهجوم المسلّح "لغاية في نفسها"، وهي إيجاد ذرائع مثالية تتيح لها الانسحاب من اتفاقات المياه المبرمة منذ سنوات بين الدولتين.



ترسانات نووية مرعبة

بينما تأخذ الهند على باكستان إيواءها جماعات إرهابية ضالعة في هجمات على أراضيها، وتدعوها إلى "رفع المظلّة" عنهم وتسليمها إياهم، تعتبر إسلام آباد أن لنيودلهي أجندات واضحة هدفها مهاجمة المسلمين في الهند وتدمير معابدهم.


وما يزيد من قتامة المشهد العسكري على الحدود بين القوتين النوويتين، تجدّد تبادل إطلاق النار عدّة مرّات بين جيشي البلدين في أعقاب الهجوم على السياح، ما يعزز المخاوف من انزلاق المناوشات إلى حرب شاملة بين جيشين يُعدّان من أعتى الجيوش في القارة الآسيوية، نظراً لامتلاكهما ترسانات نووية مرعبة.


وإذا كانت الهند، بحسب المراقبين العسكريين، تتفوّق بالأسلحة النووية التقليدية، فإن باكستان تتقدّم السباق بالأسلحة النووية غير التقليدية.



ماذا عن عقيدتي البلدين النوويتين؟

تقوم العقيدة النووية الهندية على مفهوم "الردع الأدنى الموثوق"، وهو يرتكز على مبدأ "الانتقام فقط"، أي أن نيودلهي في عقيدتها النووية لن تبادر إلى توجيه الضربة الأولى، وهي تعهّدت بألّا تكون المبادرة إلى استخدام "النووي"، بل هي تكتفي بعدد محدّد من الأسلحة في ترسانتها النووية، قادرة على إلحاق ضرر "غير مقبول" بالعدو في حال وقوع هجوم نووي. وبالتالي، تعتبر أن هدفها النهائي من السباق النووي ردعي أي منع الحرب وليس خوضها.


على الضفة الأخرى، تعتبر العقيدة النووية الباكستانية السلاح النووي ضرورة وجودية واستراتيجية وليس استعراضاً أو ترفاً عسكرياً، وبالتالي ترى إسلام آباد التلويح بالاستخدام المبكر للسلاح النووي وسيلة ضرورية لردع أي مغامرة عسكرية هندية قبل وقوعها. ويُفهم من ذلك، بحسب المراقبين العسكريين، أن باكستان يمكن أن تكون المبادِرة يوماً ما في توجيه الضربة النووية الأولى إلى جارتها الهندية.


وفي مسعى حثيث من الجارتين اللدودتين لتعزيز ترسانتيهما العسكريّتين، اتجهت الهند صوب "العمّ سام" وعززت شراكتها الدفاعية معه لتُمنح بذلك تصنيف "شريك دفاعي رئيسي"، ما يضعها في مصافٍ قريبة من حلفاء حلف "الناتو". كما عزز تعاون نيودلهي مع تل أبيب، ترسانتها العسكرية بأنظمة صواريخ متقدّمة ودفاعات جوية وطائرات استطلاع حديثة. في المقابل، وجدت باكستان ضالّتها عند الصين وتركيا، من أجل تطوير منظومتها الجوية، وتعزيزها بمقاتلات صينية شبحية وطائرات هجومية تركية.


ويبقى أن قواسم مشتركة كثيرة تجمع بين عائلات البلدين، فضلاً عن صلات قرابة، خصوصاً في المناطق المتاخمة لحدودهما، إلّا أن جذور العداء بين القوتين النوويتين ضاربة في عمق التاريخ والجغرافيا، وللجارتين اللدودتين سجل حفل بأربع حروب تقليدية. فهل تنزلق المناوشات الأخيرة بين البلدين لتتحوّل إلى حرب نووية مدمّرة تتخطّى كلّ الخطوط الحمر؟ أم تفلح قوى كبرى مؤثرة كالولايات المتحدة وروسيا والصين في وضع حدّ للصراع المستفحل، وكبح جماح الجنون النووي؟