هل صادفتم شخصاً يميل للتحكّم بمحيطه متلاعباً بمشاعر الآخرين من دون أدنى إحساس بالتعاطف والذنب؟ أو من يحتاج للإطراء المبالغ بإنجازاته البسيطة؟
هل خبرتم العيش في كنف من لا يتردد بتصوير نفسه الضحية وأنتم الجلاّد مستخدماً الوسائل كافة لتدميركم؟ إذاً أنتم في مواجهة مع نرجسيّ.
من سمات الشخصية النرجسية وفق الاختصاصية والمعالجة النفسانية مارلين كرم، الميل للتحكّم بالشخصيات المحيطة بها والسيطرة على الحالات التي تمرّ فيها، مفتقرة لحسّ التعاطف حتّى تجاه المقرّبين منها. وهي بحاجة دائمة للإطراء المبالغ وعبارات الإعجاب بشخصها وإنجازاتها وأعمالها.
وتميل لتملّك الآخرين إلى درجة التعامل معهم كأدوات يحق لها تحريكهم كما تريد. فضلاً عن استخدامهم لبلوغ غاياتها الخاصة من دون حدّ أدنى من التعاطف.
ومن الأعراض الواضحة لهذا الاضطراب أيضاً، التعامل بفوقية "وذلك لأن النرجسي يرى نفسه فريداً من نوعه، فيبالغ بتقدير ذاته وأفعاله مع الاستخفاف بأهمية إنجازات الآخرين، ضارباً بمشاعرهم عرض الحائط".
وعما إذا كانت النرجسية اضطراباً فطرياً أم نتيجة تربية معيّنة، تجيب: "يقول فرويد: يولد الإنسان نرجسياً بطبعه، أي محباً لذاته وتكون هذه الحالة طبيعية من أجل النموّ السليم. أمّا الشخصية النرجسية المضطربة، فهي تصبح كذلك نتيجة عوامل جينية أحياناً، ونتيجة عوامل أخرى أساسية مرتكزة غالباً على التربية والنشأة، مثل اختبار تجارب طفولية سيئة، كإهمال الأهل وغيابهم، النقص العاطفي، الشعور بالرفض، ما يولّد رد فعل عكسياً يدفع إلى التصرّف بنرجسية.
من جهة أخرى، قد تنشأ الشخصية النرجسية بسبب المبالغة بإطرائها في الصغر من قبل الأهل مثل "أنت أجمل شخص في العالم وأشطر وأذكى تلميذ في المدرسة..."، وبسبب مبدأ عدم التفاعل مع الناس أو الاكتراث بهم وبمشاعرهم، ما يولّد حبّاً مبالغاً للذات واحتقاراً للآخرين".
وقد يترافق هذا الاضطراب مع اضطرابات نفسية أخرى، فنرى أعراضه قريبة جداً من جنون العظمة مثلاً، التي يبالغ فيها الشخص بمدح نفسه واعتبار أنه أهم وأذكى من الجميع...
وعن كيفية تشخيص هذه الحالة، تقول: "لا تشخّص بطريقة سهلة، لأن النرجسي يتلوّن بحسب الحالات وأماكن تواجده، فيضع قناعاً خارج المنزل ليبدو محترماً ومثقفاً ولبقاً، وقد يُظهر اهتماماً بالآخرين محاولاً تأدية دور المتواضع والمتفهّم. لذلك لا يمكن تشخصيه بسهولة، إذ قد يغشّ أصحاب الاختصاص أيضاً بسبب قدرته على أداء أدوار مختلفة، ومنها دور الضحية. أمّا من يحتكّ به يومياً أو يعيش معه، فيلاحظ حاجته للإطراء المبالغ ولتعزيز حبه لذاته عبر اهتمام الآخرين وإعجابهم به وتهنئتهم له".
وتضيف: "النرجسية أنواع: نرجسية غير منحرفة، ترتكز على حاجة الشخص لاهتمام مبالغ به واعتراف محيطه بإنجازاته حتّى لو اقتصر الفعل على واجبات عائلية عادية، ساعياً لاقتناص الأضواء والتبجيل. وهو يستخدم أساليب التلاعب النفسي غير المؤذي، كالدخول والخروج من حياة الآخرين وفق مصالحه الخاصة. ولكن عندما تبلغ النرجسية درجة الانحراف، تكون الشخصية غير قادرة على الشعور بقيمتها الذاتية إلا عبر تدمير الآخرين المحيطين بها، ويشكّل أي شخص آخر ناجح أو محط اهتمام خطراً عليها فتميل إلى تدميره لهذه الغاية".
وتشير إلى إمكانية بلوغ النرجسي مرحلة ارتكاب الجريمة، بحسب حديّة الاضطراب النفسي وما إذا كان مترافقاً مع أعراض أخرى. لكنه، غالباً ما يرتكب تجاوزات أخلاقية، حيث يكون مستعدّاً لتدمير كل ما يحيط به عبر اللجوء للكذب والاشاعات ووضع الآخرين في موقع الاتهام، متحايلاً على القانون ومستخدماً أي وسيلة ممكنة من أجل إبقاء صورته ناصعة بنظر الآخرين".
وعمّا إذا كان النرجسي يلجأ للعلاج النفسي، تردّ: "أبداً، لأنه يعيش حالة نكران لما هو عليه، علماً أنه واعٍ لتصرفاته وتجاوزاته لكنه يبرر دائماً أفعاله. لذلك لا نجد هذا النوع من الأشخاص في العيادات النفسية".
وعمّا إذا كان علاج الطفل صغيراً يخلّصه من هذا الاضطراب، تشير إلى أنه كلما كان التدخل باكراً كلما جاءت النتيجة أفضل، خصوصاً إذا تجاوبت العائلة، وكان الطفل قابلاً للتغيير.
نصيحة لمن اكتشف نرجسية شريكه في حال كان الشريك نرجسياً، يبقى الحل الأمثل الانفصال عنه. لكن إذا كانت هناك صعوبات تحول دون تحقيق ذلك، فأنصح بعدم مواجهته بشكل مباشر كونه يميل إلى النكران ولعب دور الضحية واتهام شريكه بافتعال المشاكل، كما يميل إلى إشعاره بعقدة الذنب، وتدميره عبر الاستخفاف بقدراته ونجاحاته وتصويره على أنه من يعاني اضطراباً نفسياً كعملية إسقاط. وأدعو من قرر البقاء إلى جانب شريكه النرجسي إلى تعلّم كيفية التصرف معه بشكل لا يفسح في المجال أمامه لاستنزافه عاطفياً أو مادياً. كما يحاول النرجسي عزل الشريك عن محيطه والاستفراد به عبر تصوير مجتمعه سيئاً لا يتمنى لهما الخير، فيصبح وحيداً مشككاً بعائلته والمقرّبين منه وصولاً إلى التشكيك بنفسه. لذا أنصحه بالتنبّه لما يحصل حوله واللجوء إلى تقنيات تخفف التشنجات واكتساب أسلوب وضع الحدّ لشريكه بعيداً من المواجهة المباشرة. فالتجاهل أقوى سلاح لكنه يتطلّب قوة صبراً وتحمّلاً ورباطة جأش ومتانة نفسية كبيرة. يبقى أفضل حل الابتعاد الكلي عن مواجهته، لا بل تجاهله ومتابعة علاج نفسيّ لتخطّي الجوّ الذي تعيش فيه الضحية. |