ّ
بعد يوم من اندلاع اشتباكات دموية بين قوات تابعة لدمشق ومسلّحين دروز في منطقة جرمانا ذات الغالبية الدرزية - المسيحية في جنوب شرق دمشق بسبب انتشار تسجيل صوتي لشخص درزي يُسيء إلى نبي الإسلام، والتي انتهت بتوصّل ممثلين لدمشق ودروز جرمانا إلى اتفاق لحقن الدماء، اشتعل فتيل التوترات الطائفية مجدّداً في بلدة أشرفية صحنايا في ريف دمشق ليل الثلثاء - الأربعاء وأمس، حيث وقعت اشتباكات عنيفة بين القوى الأمنية ومسلّحين دروز، فيما نفذت إسرائيل غارات "تحذيرية" ضدّ القوى الأمنية في جنوب دمشق أدّت إلى مقتل عنصر من الأمن العام على أطراف أشرفية صحنايا، مؤكدة التزامها بحماية دروز سوريا.
وأسفرت الاشتباكات في أشرفية صحنايا عن مقتل 22 شخصاً، بينهم ستة دروز و16 من القوات الرديفة والقوى الأمنية، التي كانت المبادرة في الهجوم على البلدة، حسب "المرصد السوري"، في وقت تمكّنت فيه القوى الأمنية من السيطرة على أشرفية صحنايا بحثاً عن مطلوبين ومصادرة السلاح، توازياً مع فرض طوق أمني محكم على البلدة. ودوّت انفجارات عنيفة في البلدة ناجمة عن ضربات إسرائيلية. وذكرت مواقع إخبارية إسرائيلية أن صواريخ سورية مضادة للطائرات حاولت اعتراض طائرات إسرائيلية تحلّق على مستوى مخفوض فوق المنطقة.
في المقابل، أفاد مصدر أمني لوكالة "سانا" بأن "مجموعات خارجة عن القانون من أشرفية صحنايا هجمت على حاجز يتبع لإدارة الأمن العام مساء الثلثاء". وطلب مدير الأمن العام في ريف دمشق المقدم حسام الطحان من المدنيين في البلدة التزام المنازل والإبلاغ عن أي "عناصر عصابات" متواجدة قرب منازلهم، مشيراً إلى أن قواتنا مشطت عدداً من مواقع المجموعات الخارجة عن القانون، وألقينا القبض على عدد من الأفراد. لاحقاً، أعلن الطحان انتهاء العملية الأمنية في البلدة، وانتشار قوات الأمن العام في أحيائها لضمان عودة الأمن والاستقرار. وشدّد المفتي العام في سوريا الشيخ أسامة الرفاعي على أن سفك أي دم سوري حرام.
توازياً، كشف موقع "السويداء 24" بوصول وفد من مشايخ الدروز في محافظة السويداء إلى مدينة داريا في ريف دمشق على رأسه شيخي العقل أبو أسامة يوسف جربوع وأبو وائل حمود الحناوي، وقائد حركة "رجال الكرامة" الشيخ أبو حسن يحيى الحجار، والشيخ ليث البلعوس، لعقد اجتماع مع محافظي السويداء ودمشق وريف دمشق بهدف إيجاد حلّ سريع للأزمة في أشرفية صحنايا، لافتاً إلى أن وفد السويداء وصل إلى ريف دمشق بحماية من الأمن العام. بعد ذلك، توجّه الوفد المشترك بين المشايخ ومسؤولي الحكومة إلى مضافة الشيخ أبو ربيع أنيس الحاج علي في أشرفية صحنايا. وذكر التلفزيون السوري مساء أمس أنه تمّ التوصّل إلى اتفاق مبدئي يقضي بوقف النار في جرمانا وأشرفية صحنايا، مشيراً إلى تشكيل لجنة مشتركة للعمل على وقف نزيف الدم وإيجاد حلول تساهم في تحقيق التهدئة.
وتزامناً مع وصول وفد من وجهاء السويداء إلى مدينة جرمانا في إطار مساعٍ لتهدئة الأوضاع واحتواء التوتر القائم، وسط استمرار حال من الحذر في المنطقة التي أسفرت الاشتباكات ليل الإثنين - الثلثاء فيها عن مقتل 17 شخصاً، اندلعت اشتباكات في محيط قرية الدور في ريف السويداء الغربي، حيث سُمعت أصوات رشاشات وقذائف هاون في القرية ومحيطها، إثر هجوم شنته قوات رديفة لوزارتي الدفاع والداخلية على القرية، وفق "المرصد السوري". كما تعرّضت قريتا رساس والصورة الكبيرة في ريف السويداء لقصف بقذائف الهاون واستهداف بالرشاشات الثقيلة انطلاقاً من تجمّعات القوات الموالية لدمشق في محيط تلك القريتين.
وفي حادث منفصل، قُتل ستة شباب دروز وأصيب آخرون إثر تعرّضهم لكمين مسلّح نفذته قوات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية إلى جانب مجموعات رديفة على طريق دمشق - السويداء أثناء توجّههم في رتل من السويداء لدعم دروز أشرفية صحنايا، حسب "المرصد السوري".
وبينما كشف الزعيم الروحي لدروز إسرائيل موفق طريف الثلثاء أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أصدر تعليمات تتعلّق بالوضع في سوريا، موضحاً أن "الوضع تحت السيطرة ولا حاجة للاحتجاجات، إذ لن نسمح لأي أحد بأن يسيء إلى الدروز، فدولة إسرائيل، والجيش، والعالم يقفون إلى جانبنا"، أعلنت إسرائيل أنها نفذت ضربات تحذيرية ضدّ "مجموعة متطرّفة" كانت تعد لمهاجمة دروز في سوريا.
وفي بيان مشترك، أفاد نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس بأنه "جرى توجيه رسالة إلى النظام السوري ومفادها أن إسرائيل تتوقع منه التحرّك لمنع إلحاق الأذى بالدروز". وجزم وزير الطاقة الإسرائيلي وعضو المجلس الأمني المصغر إيلي كوهين بأنه "لن نقف مكتوفي الأيدي إزاء من يحاول المساس بالدروز في سوريا"، فيما كشف الجيش الإسرائيلي أنه أجلى ثلاثة دروز سوريين لتلقي العلاج في إسرائيل.
إلى ذلك، رفضت الخارجية السورية "كافة أشكال التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية"، من دون ذكر إسرائيل بالاسم. وكرّر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لشبكة "العربية/الحدث" من نيويورك أن بلاده لن تمثل أي تهديد لأي دولة، بما في ذلك إسرائيل، لكنه أوضح أن واشنطن لم تطلب من بلاده الانضمام إلى "اتفاقات أبراهام"، مشيراً إلى أن رسالة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع لأميركا لم تتطرّق إلى التطبيع مع إسرائيل. وأوضح أن المحادثات مع أميركا مباشرة وعلى أعلى المستويات، معتبراً أن الوجود العسكري الأميركي في سوريا يحتاج ترتيباً مع دمشق.
وبعدما اتفقت جماعات كردية سورية، منها "قوات سوريا الديمقراطية" المهيمنة في شمال شرق البلاد، خلال اجتماع السبت الماضي على رؤية سياسية مشتركة للكرد ترتكز على مبدأ لامركزية الدولة، رفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مطالب الجماعات الكردية السورية بتبني نظام حكم لامركزي، معتبراً أنها "ليست أكثر من حلم" ولا مكان لها في سوريا. وأكد أن بلاده لن تقبل بأي محاولة لتهديد استقرار سوريا، ولن تسمح بفرض أمر واقع في المنطقة.