جوزيف حبيب

الصراعات تتفاقم و"ساحات خامدة" تشتعل

حرائق الحروب أقوى من "خراطيم السلام"

5 دقائق للقراءة
من آثار القصف الهندي على مسجد في الشطر الباكستاني من كشمير أمس (رويترز)

لم يكد العالم يتنفس الصعداء باتفاق واشنطن والحوثيين برعاية عُمانية و"قبّة باط" إيرانية على وقف إطلاق النار بينهما، يُجسّد عملياً استسلام "أنصار الله" أمام أميركا، ما يُتيح ضمان حرّية الملاحة وانسيابية حركة الشحن التجاري الدولي في خليج عدن ومضيق باب المندب والبحر الأحمر، مع استثناء المتمرّدين اليمنيين، إسرائيل، التي توعّدوها بردّ "مزلزل ومؤلم" انتقاماً منها على تدميرها ميناء الحُديدة ومطار صنعاء، حتى تصاعدت ألسنة اللهب على طرفي الحدود بين الهند وباكستان، مهدّدة باندلاع حرب طاحنة ما لم تنجح الجهود الدبلوماسية في لجم الاندفاعة الحربية لنيودلهي ثأراً لاعتداء باهالغام، فضلاً عن استعار الحرب المنسية في السودان بتوسيع قوات الدعم السريع بنك أهدافها أخيراً لتطال طائراتها المسيّرة مواقع استراتيجية في بورتسودان، المدينة الساحلية المطلّة على البحر الأحمر والمقرّ الموَقت للحكومة الموالية للجيش.


الوضع ليس أفضل حالاً في قطاع غزة الذي يتأرجح بين ضغوط الوسطاء لإطفاء الحريق المُمدّد له وبين قرار الدولة العبرية توسيع عمليّاتها الحربية بهدف ترحيل الغزيين، بعد انتهاء جولة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المنطقة الأسبوع المقبل والتي يطمح في أن تعبّد الطريق لتوسيع نادي دول "اتفاقات أبراهام". شرق أوروبا لم يخرج بعد من "حمّام الدم"، إذ لا تزال موسكو وكييف تتبادلان الضربات والهجمات رغم الجهود الأميركية الحثيثة لإنهاء الحرب بينهما، في وقت ترزح فيه دول كثيرة حول العالم تحت وطأة الحروب الأهلية والأزمات القاسية والمجاعات والكوارث الإنسانية والصحية والطبيعية المتفاقمة، بالتوازي مع اقتطاعات دولية مهولة في المساعدات الإنسانية.


يبدو أن حرائق الحروب ما زالت أقوى من "خراطيم السلام" التي يحاول ترامب بها مكافحة النيران المشتعلة في أنحاء المعمورة. ربّما استطاع الرئيس الجمهوري تحييد الحوثيين بـ "الحديد والنار"، إلّا أن الساحة اليمنية وغيرها من الجبهات الشرق أوسطية "المعطوبة" تبقى مرتبطة بشكل وثيق بمسار المحادثات النووية مع طهران ومصيرها. حسابات إسرائيل متمايزة نوعاً ما عن حليفتها أميركا، فالمواجهة على خط تل أبيب - صنعاء لم تنتهِ بعد، فضلاً عن نوايا الدولة العبرية تجاه الجمهورية الإسلامية. فتل أبيب تريد استغلال فرصة تعتبرها نادرة للتعامل مع "رأس الأفعى" مباشرة، بعدما خاضت حروباً ولا تزال، جعلت أذرع الملالي مشلولة وخارج الخدمة العسكرية بشكل أو بآخر. وهذا يُبقي الباب مفتوحاً أمام سيناريوات عسكرية مرعبة، ما لم تتوّج المحادثات النووية باتفاق تاريخي.


طبعاً لدى الإدارة الأميركية أولويّاتها، وتعطي لملفات أفضلية على أخرى ليست في أعلى سلّم اهتماماتها. تستذكر أوروبا اليوم الذكرى الـ 80 لانتصار الحلفاء على ألمانيا النازية وسط مخاوف جسيمة على الأمن الأوروبي، بينما تحتفل روسيا بهذه المناسبة غداً، حيث ستستضيف قادة دول على رأسهم الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي سيُشاهد عرضاً عسكرياً ضخماً في الساحة الحمراء يُشارك فيه جنود صينيون للتأكيد على صلابة التعاون الاستراتيجي بين البلدين، اللذين يعملان من أجل نظام عالمي متعدّد الأقطاب. في الذكرى الـ 80 لتحرّر أوروبا، تواجه "القارة العجوز" تحدّيات متشعّبة وهائلة، تبدأ بمستقبل الاتحاد الأوروبي والعلاقات الأوروبّية - الأوروبّية في ظلّ التغييرات الجذرية التي تعصف بالخرائط السياسية الوطنية مع صعود اليمين الحازم، ولا تنتهي بمستقبل الشراكة العابرة للأطلسي الأساسية حتى الساعة لحفظ أمن القارة واستقرارها، في وقت أصبحت فيه واشنطن أكثر اهتماماً بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ.


مع تعثر الحلول للحروب شبه المستعصية، بدأت تتدفق "الحمم البركانية" من شطرَي كشمير وسائر الحدود الهندية - الباكستانية المضطربة، حيث يثير التصعيد العسكري مخاوف عالمية من تفجّر صراع جديد من فئة "الوزن الثقيل" قد يتدهور بسرعة فائقة، الأمر الذي يرفع من احتمالات تحوّله إلى "حرب نووية" لا تحمد عقباها وسط جنون احتدام تبادل الصفعات، التي لا تزال مدروسة ومضبوطة حتى اللحظة. للصراع الهندي - الباكستاني خلفيات وأبعاد متعدّدة، تاريخية وجغرافية وجيوسياسية وجيوثقافية وجيومائية... تتداخل مع بعضها بعضاً وتتشابك مع مصالح وتحالفات إقليمية ودولية متنوّعة. دول عدّة عرضت وساطتها لخفض التوترات، وأخرى تدعو إلى ضبط النفس أو تضغط لتهدئة الوضع، فيما تقف شبه القارة الهندية فوق فالق زلزالي بالغ الخطورة والتعقيد.


الصراعات التي تضع واشنطن كلّ ثقلها لمعالجتها تتفاقم في الآونة الأخيرة، في حين تشتعل بعض الساحات التي كانت خامدة لفترة زمنية مقبولة، ولو أنها تذكّرنا بين الفينة والأخرى أنها ما زالت على قيد الحياة. للحروب بذور محلّية عميقة تتقاطع مع معطيات وعوامل تغذيها وتطلق العنان لها. التاريخ في نهاية المطاف هو عبارة عن حروب تتخلّلها هدنات متفرّقة تُمهّد لحروب جديدة. عندما تغدو الأسباب التي تفجّر الحروب أقوى من المصلحة المشتركة بالسلام، تصبح الكلمة للميدان حيث تستقي الأرض من دماء الإنسان، من دون أن ترتوي منها إطلاقاً.


حقبات السلام محطّات موَقتة في حروب البشرية التي لا تنتهي أبداً. الحرب لا تندلع بالضرورة عند أي صدام أو تضارب مصالح، لكنها تطلّ برأسها بجرأة قلّ نظيرها عندما تحين ظروفها المؤاتية، وغالباً ما تدق ساعتها عاجلاً أم آجلاً. يقف ترامب المنهمك بمحاولة إخماد الحروب المندلعة، أمام استحقاقات داهمة قد لا تكون على لائحة أولوياته حالياً وقد تبقى خارج لائحته مستقبلاً، كما قد تسقط من اللائحة قضايا ملتهبة استعصت على الحلّ كانت على رأسها. الحروب "تدوزن" العلاقات الدولية حيناً وتعيد تشكيلها برمّتها أحياناً أخرى، والكلمة الفصل دائماً للأقوى والأكثر حنكة، الذي يعرف كيف ينتصر.