بن جودا

الرئيس الأرمني يطالب "الناتو" بتفسير تورّط تركيا في ناغورنو كاراباخ

21 تشرين الأول 2020

المصدر: Politico Magazine

02 : 01

يطالب الرئيس الأرمني حلف الناتو بتبرير تورط تركيا في حرب "ناغورنو كاراباخ". حتى أنه يبدي استعداده للسفر إلى بروكسل لمواجهة التحالف العابر للأطلسي حول تحركات أنقرة في القوقاز ويحذر الاتحاد الأوروبي من التهديد الذي يطرحه الأتراك على أمنه. قال أرمين سركيسيان في مقابلة مع مجلة "بوليتيكو": "إذا ذهبتُ إلى بروكسل، أريد أن أتكلم مع قيادة الناتو حول أسباب هذا الوضع الغريب الذي يجعل تركيا المنتسبة إلى الناتو تتورط في حرب لا علاقة لها بالحلف. كيف يُعقَل أن يتصرف أحد أعضاء الناتو بهذه الحرية كلها من دون أن يحرّك الحلف أي ساكن؟ هل يعني ذلك أن الأتراك حصلوا على الضوء الأخضر من الناتو"؟

قدّمت تركيا أعلى درجات الدعم لحليفتها التقليدية أذربيجان عندما تجدّد الصراع المُجمّد في "ناغورنو كاراباخ" خلال الشهر الماضي: إنه إقليم تسيطر عليه أرمينيا لكن يعترف به المجتمع الدولي كجزءٍ من أذربيجان. أودى هذا الصراع بحياة مئات الناس ويتبادل الطرفان الاتهامات بقتل المدنيين.

تتّهم أرمينيا تركيا بإرسال طائرات مقاتلة ومرتزقة سوريين إلى أذربيجان. أنكرت أنقرة هذه الادعاءات مع أن تقارير إعلامية متعددة وثّقت وجود مقاتلين سوريين وطائرات "إف-16". اعترف رئيس أذربيجان إلهام علييف من جهته بوجود تلك الطائرات في بلده لكنه ادّعى أنها لا تُستعمل في القتال.

أعلن سركيسيان أنه يريد زيارة مقر الناتو في بروكسل للحصول على "تفسير" حول تورط "الأسلحة التركية والطائرات بلا طيار وطائرات "إف-16" في عمليات قصف أرمينيا واستهداف أعداد هائلة من المدنيين الأرمن. إنها أسلحة من صنع الناتو: المحركات من النمسا، وإلكترونيات الطيران من كندا، وقطع الصواريخ من بريطانيا وهكذا دواليك".

لا تُلزِم المعاهدة التي تجمع بين دول الناتو أحداً بدعم الحروب الخارجية التي يخوضها أي بلد فردي في الحلف ولا تفرض على أحد أخذ الإذن لخوض تلك الحروب، ولطالما تورطت هذه الدول في صراعات مع أطراف ثالثة من دون دعم الحلف، بما في ذلك التدخلات الأميركية والبريطانية والفرنسية المتعددة في أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط منذ نشوء الحلف (لم يُعلّق حلف الناتو على الموضوع حتى كتابة هذه السطور).



آثار القصف خلال الصراع الدائر بين أرمينيا وأذربيجان في 14 تشرين الأول 2020



كذلك، أعلـــــن سركيسيان عن استعداده للسفر إلى باريس ولندن وبرلين للدفاع عن القضية الأرمنية أمام القادة الأوروبيين: "أنا مستعد لإخبار أنجيلا ميركل بأنني أدرك انشغال أوروبا بمسائل أخرى وانشغال الجميع بفيروس "كوفيد - 19". لكن سيدتي المستشارة العزيزة، يبدو أنكِ لا تدركين أن كارثة أخرى تتجه نحوكِ من القوقاز، وهي ليست عبارة عن فيروس بيولوجي هذه المرة بل فيروس انعدام الاستقرار والحرب".

يريد سركيسيان من المستشارة الألمانية أن تفهم أنّ "حرب تركيا وأذربيجان تجازف بخلق نسخة جديدة من سوريا، أو ربما تصبح تركيا مصدر أزمة في مجال الطاقة في أوروبا والجهة التي تسيطر عليها". (تمرّ خطوط الأنابيب الأساسية لنقل إمدادات الطاقة إلى الاتحاد الأوروبي بمنطقة قريبة من "ناغورنو كاراباخ").

في المقابل، لا يشعر الرئيس الأرمني بضرورة تذكير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالتداعيات الجيوسياسية المحتملة لهذا الصراع: "يدرك ماكرون على ما أظن أن انعدام الاستقرار في القوقاز سيؤثر على المنطقة عموماً قبل أن ينعكس لاحقاً على أوروبا الغربية كلها. هو يفهم أن الوجود التركي في أذربيجان سيجعل مناطق جنوب أوروبا وآسيا الوسطى تتكل على تركيا، وسرعان ما تطرح تركيا نفسها كقوة إقليمية عظمى وهذا ما يريد (الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان تحقيقه أصلاً".

شهدت فرنسا التي تشمل أقلية أرمنية واسعة طرح مشروع قانون أمام البرلمان للاعتراف بما يُسمّى "جمهورية أرتساخ": إنه الكيان الذي يحكم "ناغورنو كاراباخ". يقول رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان إنه يتوقع من فرنسا أن تعترف بـ"ناغورنو كاراباخ"، لكنّ تمرير هذا القرار لا يزال مستبعداً جداً.

حتى الآن، لم تعترف أي دولة عضو في الأمم المتحدة بإقليم "ناغورنو كاراباخ" كدولة مستقلة، وحتى أرمينيا نفسها لم تفعل ذلك.

عبّر سركيسيان عن سروره الشديد في حال اعترفت فرنسا بالمنطقة الانفصالية فقال: "نحن الأرمن لطالما كنا مقتنعين بضرورة أن نتوصل إلى حل عبر المفاوضات السلمية. ومنعاً لتفاقم الأوضاع امتنعنا عن الاعتراف بجمهورية أرتساخ حتى الآن". ثم أضاف قائلاً: "لكن إذا لم نشاهد أي بصيص أمل في نهاية النفق، سنعترف بناغورنو كاراباخ".





تسعى أرمينيا إلى طرح الحرب أمام بروكسل وكأنها جزء لا يتجزأ من استراتيجية تركيا التي تزداد عدائية وكانت كفيلة بوضع أنقرة في مواجهة دول الاتحاد الأوروبي في أنحاء المنطقة. في ليبيا، تدخلت تركيا لصالح الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة ضد زعيم الميليشيا المدعوم من فرنسا خليفة حفتر، ثم تدخلت في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط حيث تبحث السفن التركية عن مصادر الطاقة في المياه التي تطالب بها اليونان وقبرص.

أضاف سركيسيان: "لدينا انطباع بأن أردوغان يُمعن في زعزعة الاستقرار وكسر وضع المراوحة في كل مكان. وفي ظل هذه الموجة من الاضطرابات الفائقة، تشعر تركيا بهدوء تام وتتحرك بكل حرية وكأن الوضع يعطيها فرصة التلاعب بجميع الأطراف".

كذلك، اعتبر سركيسيان أن عجز أوروبا وحلف الناتو عن التأثير على أنقرة قد يُضعف مصداقيتهما: "أنا أدعو الجميع في بروكسل إلى الضغط على تركيا. لكن يجب أن يُحددوا أولاً التحركات المقبولة لأن هذه التصرفات التركية ستؤذي الناتو وهيبته والفكرة القائلة إن هذا الحلف يهدف في الأساس إلى الدفاع عن أعضائه ضد الأعداء".

شدّد الرئيس الأرمني أيضاً على اقتناعه بأن التدخل التركي سيغيّر المعالم الجيوسياسية في جنوب القوقاز بشكلٍ دائم عبر تحويل أذربيجان إلى منصة لفرض نفوذ تركيا في المنطقة ككل وقاعدة لشبكة خطوط أنابيبها الأساسية.

في الوقت نفسه، حذّر من تحوّل المرتزقة السوريين إلى عامل طويل الأمد لزعزعة استقرار المنطقة: "سينشئ هؤلاء المرتزقة هناك منطقة فوضوية أخرى تطرح تهديداً لأذربيجان وروسيا وأرمينيا وإيران". خارج إطار أوروبا، تذمّر سركيسيان من الوضع لأن البلدان منشغلة بمسائل أخرى، مثل الانتخابات الأميركية المرتقبة، فقال: "كنت لأذهب إلى واشنطن لو كانوا يصغون إليّ".





حتى الآن اختارت روسيا (وهي حليفة لأرمينيا مع أنها كانت قد سلّمت الأسلحة في الماضي إلى أذربيجان) ألا تدعم يريفان عسكرياً. لكن كان الكرملين أول قوة دبلوماسية تنشط في هذا الصراع خلال الأسابيع الأخيرة وتحاول التفاوض على وقف إطلاق النار لكنّ مساعيها فشلت.

تعليقاً على هذا الموضوع، قال سركيسيان: "أقدّر ما يفعله الرئيس (فلاديمير) بوتين ووزير الخارجية (سيرغي) لافروف". لطالما أعلن المسؤولون الأرمن أنهم لا يعتبرون هذا الصراع مجرّد اشتباك على أراضٍ متنازع عليها بل امتداد للإبادة الجماعية بحق الأرمن في العام 1915، حين قتلت السلطنة العثمانية حوالى مليون ونصف أرمني.

أخيراً، يزعم سركيسيان أن تركيا "لم تشأ أن تُعلّم أرمينيا درساً وتخبرها بما حصل قبل 105 سنوات فحسب، بل إنها تدعو الأرمن إلى التزام الصمت لأنهم سيتعرّضون لإبادة جماعية أخرى في العام 2020، لكنها ستحصل هذه المرة تحت أنظار المجتمع الدولي". لكن برأي تركيا وأذربيجان، تتمحور حرب باكو فعلياً حول إنهاء احتلال الأراضي المعترف بها دولياً كجزءٍ من أذربيجان. (لم تُصدِر السفارة التركية في بروكسل أي تعليق عن الموضوع بعد).


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.